سلايدر

التنافس الدولى فى البحر الأحمر.. كيف حولت الصين والولايات أهم ممر ملاحى لثكنة عسكرية دولية؟

عبد الغني دياب

يبدو أن السياسات المحايدة التي طالما تحدثت عنها الصين تجاه العالم الخارجي لم تعد مجدية، إذ باتت بكين تتطلع لفرض نفسها كمنافس دولي للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، لكن هذه المرة ليس في الاقتصاد ولكن على مستوى السياسة الخارجية، وأدوات أخرى ربما لا تقف على حد السياسات الناعمة التي طالما تبنتها بكين.

الصين وسيط جديد في أزمات المنطقة 

مع تزايد حالات التوتر في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا بدأت بكين تعرض خدماتها على دول المنطقة كوسيط للحل، وجاء توسطها بين المملكة العربية السعودية وإيران لحلحلة الخلافات بين البلدين كأحد أبرز التحركات التي شهدتها المنطقة والذي على أثره أعلنت كل من الرياض وطهران عودة العلاقات الدبلوماسية فيما بينهما، بينما أعلنت الأخيرة استعداد الرئيس إبراهيم رئيسي لزيارة المملكة، ووجهت دعوة مماثلة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان لزيارة طهران وقبلها الأمير السعودي وفقا لما صرح به وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان.

وساطة في أزمات  القرن الإفريقي

في الجانب الآخر من البحر الأحمر، كانت وجهت دعوة مماثلة لبلدان القارة السمراء وخصوصا في منطقة القرن الإفريقي الملتهبة والتي تشهد مواجهات مسلحة وتوترات في أكثر من منطقة خصوصا في السودان وجنوب السودان والصومال، وإثيوبيا، إذ  قال المبعوث الصيني للمنطقة شيويه بينغ، إن  بلاده قادرة على لعب دور الوساطة في النزاعات الدائرة بالمنطقة.

حاملة الطائرات الأميركية
حاملة الطائرات الأميركية

شيوية قال في تصريحات له خلال  مؤتمر السلام الذي تقوده الصين وعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا وبحضور وزراء ومسؤولين من السودان والصومال وجنوب السودان وكينيا وأوغندا وجيبوتي: “أنا على استعداد لتقديم جهود وساطة للتسوية السلمية للنزاعات على أساس إرادة دول هذه المنطقة”.

ولم يكتف المسؤول الصيني بذلك بل وجه انتقادات للقوى الغربية بوصفها قوى استعمارية سابقة، لافتا إلى أن قضايا “العرق والدين والحدود المعقدة والمتشابكة” في المنطقة هي ميراث سيئ للحقبة الاستعمارية.

التنافس الصيني الغربي في منطقة البحر الأحمر

على مدار السنوات الماضية شهدت منطقة البحر الأحمر تنافسا صينيا أوروبيا، لاسيما في البلدان الإفريقية منه وبلدان القرن الإفريقي القريبة منه، إذ تقع هذه المنطقة ضمن طريق مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي انطلقت في عام 2013، والذي بناء عليه بدأت بكين  التوسع في مشروعاتها الاستثمارية خصوصا في البني التحتية إذ تتواجد شركاتها في غالبية دول القارة لتنفيذ مشروعات عملاقة.

قوات عسكرية بحرية
قوات عسكرية بحرية

في المقابل لم ترفع الإدارة الأمريكية يدها عن المنطقة إذ تتواجد في أكثر من شكل سواء من حيث الاستثمارات أو التواجد العسكري عبر القواعد العسكرية المنتشرة في المنقطة، والقطع البحرية المنتشرة في مناطق كثيرة من البحر الأحمر سواء في خليج عدن أو قرب باب المندب، أو حتى في بحر العرب  بالقرب من قواعدها العسكرية في منطقة الخليج العربي التي تحظى باهتمام كبير من قبل إدارات واشنطن المتعاقبة.

ويتخذ التنافس  بين كل من الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أكثر من شكل أهمها التواحد العسكري، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي ودعم بعض أنظمة الحكم في المنطقة، ويمكن تفصيل ذلك على النحول التالي.

جيبوتي أكبر تجمع للقواعد العسكرية في المنطقة

خلال السنوات الأخيرة نشطت معظم الدول الكبرى في إنشاء قواعد عسكرية لها في بلدان البحر الأحمر خصوصا جيبوتي القريبة من خليج عدن ومضيق باب المندب والتي تضم في داخلها وحدها 6 قواعد عسكرية عاملة لكل من الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وإيطاليا، وإسبانيا، إضافة إلى 3 قواعد فرنسية، بينها قاعدة بحرية، ومطاران، أحدهما في منطقة ساحلية، وأخيرا القاعدة العسكرية الصينية التي افتتحت في 2017.

القاعدة العسكرية فى جيبوتى
القاعدة العسكرية فى جيبوتى

ووفقا لدراسة للباحث محمود زكريا المدرس المساعد بكلية الدراسات الإفريقية العليا، فإن الوجود العسكري الأجنبي بدأ في جيبوتي منذ نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين عبر إنشاء فرنسا -التي كانت القوة المستعمِرة السابقة لجيبوتي- لقاعدتها العسكرية، والتي ظلت القاعدة العسكرية الوحيدة في جيبوتي إلى أن تم تأسيس القاعدة الأمريكية مع بداية العقد الأول من الألفية الجديدة، وتحديدًا عقب وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001، وتلا ذلك تأسيس أربع قواعد عسكرية أخرى، وقد كانت القاعدة العسكرية الصينية التي أُنشِئت في عام 2017 بمثابة آخر هذه القواعد، وإلى جانب هذه القواعد العسكرية الفعلية كانت هناك مساعٍ حثيثة من قِبل بعض الأطراف الدولية والإقليمية لإنشاء قواعد عسكرية أخرى، وذلك في إشارة إلى كل من روسيا والإمارات والسعودية.

وتشير الدراسة إلى أن أسباب استضافة جيبوتي للقواعد العسكرية، هي أن جيبوتي تستمد أهميتها الاستراتيجية من صغر مساحتها التي تبلغ نحو (23,2) ألف كيلومتر مربع وضآلة عدد سكانها الذي لا يتعدى (921,8) ألف نسمة، كما أن موقعها الجغرافي جعلها مكانا مميزا لمثل هذا التواجد العسكري حيث يحدها من جهة الشمال إريتريا، وإثيوبيا من الغرب والجنوب الغربي، والصومال من الجنوب، فضلًا عن خليج تاجورة الذي يقسم النصف الشرقي من البلاد والواقع جنوب مضيق باب المندب وعند مدخل البحر الأحمر والمطل على خليج عدن.

لماذا جيبوتي ؟

وينعكس هذا الموقع الجغرافي على الأهمية الجيواستراتيجية لجيبوتي حيث جعلها بمثابة ممر إلزامي لطرق التجارة البحرية الهامة، وذلك انطلاقًا من وقوعها على مضيق باب المندب، والذي يعد أحد أهم الممرات المائية في العالم إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وازدادت أهميته منذ افتتاح قناة السويس وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، كما يعد طريقًا بحريًا بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط تمر به معظم صادرات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي إلى قناة السويس.

جيبوتي
جيبوتي

الأمر الآخر أن هذه المنطقة يمر منها يوميا أكثر من 6 ملايين برميل نفط ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية عبر مضيق باب المندب باتجاه أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، وذلك في عام 2018, وهو ما يعني زيادة بالمقارنة بعام 2014 حيث بلغ (5,1) مليون (برميل/ يوم)، كما مثل إجمالي تدفقات النفط عبر مضيق باب المندب حوالي(9٪) من إجمالي النفط المنقول بحرًا على مستوى العالم.

قواعد عسكرية أخرى على البحر الأحمر

وفقا لتقرير نشره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن النفوذ العسكري المتزايد في المنطقة القريبة من البحر الأحمر لا يقتصر على جيبوتي بل يوجد قواعد أخرى في دول أخرى ومنها الصومال التي يوجد بها عددا من القواعد العسكرية الأجنبية أبرزها القاعدة التركية في مقديشيو والأمريكية في شبيلي السفلى والبريطانية في بيدوا.

قوات عسكرية بحرية
قوات عسكرية بحرية

كما تستضيف أريتريا قاعدتان عسكريتان، ذكر المعهد السويدي أنها واحدة تابعة للاحتلال الإسرائيلي، إلا أنه لم يتم تحديد موقعها، وقاعدة عسكرية أخرى في مدينة عصب الساحلية، وبحسب تقرير ستوكهولم، الذي ذكر أنه من المحتمل أن تكون روسيا لديها قاعدة عسكرية بتلك الدولة أيضا.

وفي كينيا يوجد بها قاعدتين عسكريتين،  الأولى مملوكة للولايات  المتحدة الأمريكية وتوجد في “خليج ماندا”، والأخرى لبريطانيا وتوجد في مدينة نانيوكي.

التواجد العسكري في خليج عدن

وإضافة لذلك تتواجد قوات بحرية، متمركزة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفي جنوب البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وهي من ضمن القوات الأجنبية، المؤثرة، إذ تمركز في المنطقة القوة البحرية المشتركة “سي تي إف 151″، التي تم تأسيسها عام 2009، بمشاركة قوات بحرية من عدة دول لمحاربة القرصنة.

كما تتمركز قبالة سواحل إريتريا، في جنوب البحر الأحمر قوات بحرية سعودية وعربية، بحسب معهد ستوكهولم، وتتمركز سفن حربية روسية وصينية وإيرانية، لمكافحة القرصنة في خليج عدن.

قوات عسكرية بحرية
قوات عسكرية بحرية

وبناء على ذلك تعد منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر واحدة من المناطق الأكثر لفتا للانتباه من حيث التنافس الدولي إذ أنها تحتل أهمية فائقة بالنسبة للصين في أفريقيا من جهة، وكذلك بالنسبة إلى رؤيتها لتوسيع هذا النفوذ عالميّا من خلال مشروع الحزام والطريق من جهة أخرى. ولا تكاد تخلو دولة في القرن من الحضور الصيني بأشكاله المختلفة، وإن غلب عليه الطابع الاقتصادي طيلة المرحلة الماضية؛ حيث تعد الصين الشريك التجاري الأول لإثيوبيا التي تمثل بدورها عقدة محورية في مبادرة الحزام والطريق، بجانب استثمارات صينية حيوية في كل من جيبوتي وإريتريا وكينيا والسودان.

هذا التواجد يثير حفيظة الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة، وتشبب ذلك في تغيير الإستراتيجية الأميركية تجاه أفريقيا في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، إذ عملت الإدارة الأمريكية على ممارسة أدوار أكثر انخراطا في شؤون القارة الإفريقية بعد سياسة الانسحاب التي اتبعها باراك أوباما.

لماذا تحرص الدول الكبرى على التواجد في البحر الأحمر؟

هناك العديد من العوامل التي تقف وراء سعي العديد من القوى الدولية  التواجد في منطقة البحر الأحمر أولها وفق مراقبين أن الأهمية الاستراتيجية التي يحتلها هذا الممر المائي الحيوي، والتي دفعت العديد من الفاعلين للبحث عن فرص للتواجد وبناء القواعد العسكرية على سواحله، بل واستغلال التطورات والأحداث التي تشهدها دوله، خاصة على الجانب الأفريقي، لتأكيد نفوذها داخل الإقليم.

الأهمية الاستراتيجية زادت بعد الأزمات التي لحقت بدول المنطقة منذ العام 2010، حيث أسهمت المشكلات التي يواجهها اليمن وما تبعها من تصاعد للعمليات الحربية على أراضيه، والمشكلات الأمنية في بلدان الإفريقية  في اندفاع بعض الدول لترسيخ وجودها العسكري على سواحل البحر الأحمر، الذي أصبح جزءا من قوس عدم الاستقرار الدولي.

وبسبب تغيير الصين لسياستها الخارجية وانخراطها عسكريا في المنطقة بدأت البلدان الأوروبية تعيد النظر في أوضاع المنطقة خصوصا بعد الحرب التي اندلعت في كل من إثيوبيا والسودان وأثرت على عملية الاستقرار في كل منهما بالإضافة إلى الحرب الأهلية في جنوب السودان المندلعة منذ سنوات.

القواعد العسكرية الأجنبية في البحر الأحمر
القواعد العسكرية الأجنبية في البحر الأحمر

ويرى مراقبون أن تزايد القواعد العسكرية الأجنبية في البحر الأحمر، يؤثر على التوازن الإقليمي بين الدول العربية، فدول الخليج العربي التي تبذل جهودا واسعة لتقليص النفوذ الإيراني على البحر الأحمر، لا تسعى لاستبدال هذا النفوذ بنفوذ أجنبي آخر خصوصا تركيا التي توترت علاقتها بالبلاد العربية خلال السنوات الأخيرة.

وعطفا على ذلك يمكن القول إن التطورات المتصاعدة في الشرق الأوسط تدفع في اتجاه إعادة تشكيل هذا الإقليم، مما يجذب العديد من الفاعلين الذين يجدون أن هذه التطورات تحمل فرصا حقيقية لتدعيم مصالحهم، ويسعى هؤلاء للبحث عن مواقع داخل الإقليم أو في جواره الجغرافي.

وهنا تبرز أهمية إقليم البحر الأحمر كأحد الأقاليم الفرعية المهمة لإقليم الشرق الأوسط، والتي تؤثر بشكل مباشر في الأمن القومي العربي والمصري، خصوصا بعدما افتتحت مصر قاعدة برنيس البحرية والتي تعد واحدة من أكبر القواعد العسكرية في العالم، وهي قريبة بشكل فعال من كافة نقاط البحر الأحمر الجوهرية سواء نقطة باب المندب أو حتى قناة السويس المصرية التي تعد أهم شريان ملاحي في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى