سلايدر

كوريا الشمالية .. مشاهد من دولة الرعب والغموض

العالم السري لـ فن الإعدامات وعقيدة الجوتشي وفلسفة العظمة

 

محمد عبدالواحد الزيات

بينما نعيش نحن في عام 2023م، لا تزال دولة كوريا الشمالية ترزح في عام 112 وفقاً لـ «التقويم الجوتشي»، لأنه تاريخ ميلاد «كيم إيل سونج» القائد المؤسس لهذا البلد، ومُبتكر عقيدة الجوتشي التي تقضي بتقديسه، ليس هذا فحسب بل إن بيونغ يانغ، توصف بدولة الرعب والغموض، نظراً لاعتيادها الإعلان عن إعدامات مرعبة ضد عسكريين وسياسيين كوريين بين الحين والآخر، فيما لا تزال تطبق عادات تعود بسكانها عقوداً إلى الوراء، بينما دستورها يُمجد جنون العظمة والقوة النووية التي تهدد العالم بأسره.

واتجهت الأنظار خلال الفترة الحالية، إلى كوريا الشمالية، بعدما أعلن إعلامها الرسمي، عن إجراء مناورات عسكرية تحاكي هجمات نووية، باستخدام صواريخ كروز بعيدة المدى مُزودة برؤوس نووية افتراضية يمكن استبدالها بأخرى حقيقية، حيث جرى إطلاقها في عرض البحر الأصفر.

وقال وكالة الأنباء الرسمية في كوريا الشمالية، إن مناورات المحاكاة للهجوم النووي تأتي لتحذير الأعداء من خطر الحرب النووية، مشيرة إلى أنها بمثابة رد على التدريبات العسكرية المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية، والتي عرفت باسم «درع الحرية -أولتشي».

صواريخ كوريا الشمالية
صواريخ كوريا الشمالية

وكان الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، قد أعلن خلال العام الماضي، عن أن “مضي بلاده في طريقها كقوة نووية يعد أمراً لا رجعة فيه”، مؤكداً عمل بلاده على تعزيز إنتاج الأسلحة النووية التكتيكية.. ووسط هذا الزخم من التصريحات الكورية التي تمس الأمن العالمي، تخترق «المصرية» العالم الخفي لكوريا الشمالية ومجتمعها؛ للوقوف على أهم عادات وقوانين وسياسات هذا البلد، الذي أصبح مرادفاً للرعب النووي عالمياً.

دولة الغموض

ليست الرؤوس النووية وحدها هي مصدر الرعب والاختلاف القادم من كوريا الشمالية، لأن الحياة فيها تختلف أيضاً، فبمجرد مشاهدة أي مواطن من كوريا، لمحتوى أجنبي مثل مسلسل «لعبة الحبار» الشهير الصادر من غريمتها الكورية الجنوبية، أو إجراء مكالمة هاتفية دولية، فمصيره الإعدام لا محالة وفقاً للقوانين الكورية الرسمية، وهو في هذه الحالة ربما يكون من المحظوظين لأن هذا الإعدام بالرصاص في العُرف الكوري الشمالي يعد «موتاً رحيماً»، أما من يغلبه النعاس أو يتوقف عن التصفيق خلال اجتماع يحضره الزعيم الكوري، فمصيره «الإعدام المروع» إما بصاروخ مضاد للطائرات، أو رمياً للكلاب الجائعة أو بطرق أخرى أكثر بشاعة، مثلما تعلنه وكالة «يونهاب» للأنباء الكورية بين الحين والآخر.

 السلالة كيم : الجد والأب والحفيد
السلالة كيم : الجد والأب والحفيد

وجاءت القوانين الكورية التي تتسم بغرابتها نتاجاً لفلسفة العظمة التي انتهجتها «السلالة كيم» في حكمها لكوريا الشمالية، ما جعل المجتمع الكوري أكثر المجتمعات انغلاقاً وغموضاً في العالم، فهي سُلالة حاكمة تُحيطها السرية الشديدة، وأغلب تفاصيلها غير معلنة للعامة، ومن يحاول معرفة أسرارها ينتظره الموت بأبشع الطرق.

الديانة الجوتشية

بدأت قصة كوريا الشمالية مع السلالة «كيم»، منذ تنصيب كيم إيل سونغ، كأول رئيساً للبلاد بعد نهاية السيطرة اليابانية على «الإقليم الكوري» في عام 1945م، وانقسامه إلى قسمين: شمالي وجنوبي، وبحلول عام 1950م، اشتعلت حرب أهلية في محاولة لإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، حيث شهدت هذه الأجواء المُلتهبة، بداية إقدام «كيم الجد» على إضفاء هالة من القداسة على شخصيته بعدما ابتكر عقيدة رسمية للدولة عرفت باسم «الجوتشية».

وتعني «الجوتشية»، الاعتماد على الذات أو «الذاتوية»، فيقصد بها أن “الإنسان هو سيد كل شيء، ومُقرر كل شيء”، لكنها لا تقصد الإنسان بشكل عام بقدر ما تقصد كيم نفسه، حيث تقوم هذه العقيدة على ثلاثة مبادئ هي: مبدأ «شاجو» في السياسة الذي يقوم على الاستقلال في الرأي، ومبدأ «شارب» في الاقتصاد الذي يعني الاكتفاء الذاتي، ومبدأ «شاوي» في الدفاع الوطني الذي يقوم على الدفاع الذاتي.

تقديس زعماء كوريا الشمالية
تقديس زعماء كوريا الشمالية

وترافقت الفلسفة الجوتشية مع جهود «كيم الجد» لتأليه نفسه، إذ تزعم سيرته الذاتية أنه وُلد على بركان يعلوه قوس قزح في لحظة وميض نجم جديد في السماء، كما أنه رسخ لنفسه سيرة شعبية تدعي أنه «نعمة إلهية من السماوات»، وأنه تعلم المشي على الأقدام وعمره 3 أسابيع.

وبحلول الثمانينيات من القرن الماضي، كان «كيم الجد» قد تمكن من تأسيس عبادة الفرد المرتبطة بفلسفة «جوتشي»، وظل يرسخ لها في المجتمع الكوري طوال 50 عاماً، حتى وفاته في عام 1994م؛ لتنتقل معتقداته إلى ابنه كيم جونغ إيل، ثم لاحقاً إلى حفيده كيم جونغ أون.

وبالنسبة إلى كيم جونغ إيل «الأب»، فقد بدأ حكمه بفرض تقديس سلالته، واعتبار الأمر واجب وطني؛ لينحني بذلك الكوريون الشماليون لتماثيل الجد المؤسس، بعدما منحه ابنه لقب «الرئيس الأزلي للجمهورية»، حيث ظل حلم الأزلية الذي شغل كيم الأب دافعاً له لمواصلة ما عُرف عنه من الغموض والانعزال وعشق السلطة، فضلاً عن توجهه لإطلاق برنامج «بيونغ يانغ النووي» الذي لا يزال يُشكل تهديداً لأمن العالم.

تقديس زعماء كوريا الشمالية
تقديس زعماء كوريا الشمالية

بعد وفاة «كيم الأب»، في 17 ديسمبر عام 2011م، خلفه ابنه كيم يونغ أون، «أو كيم الحفيد الحالي»  الذي استهل زعامته بإجراء عمليات تجميل ليكون شبيهاً بجده، وفي الوقت الذي اعتقد خلاله البعض أنه سيكون أكثر انفتاحاً على العصر، زاد «كيم الحفيد» من عزل كوريا الشمالية، عن الزمان والمكان؛ ما أدى إلى مزيد من ترسيخ عبادة الفرد، وتحول البلاد إلى بقعة ذات طبيعة خاصة في العالم، لا يمكن دخولها والخروج منها إلا بممارسة طقوسها وتنفيذ قوانينها.

فن الإعدامات

لا يتردد «كيم الحفيد» البالغ من العمر 38 عاماً، في تدبير إعدامات وحشية بحق كل منْ يُعكر صفو مزاجه، أو يتصرف بسلوك يغضبه، فعلى سبيل المثال: قد أمر بإعدام زوج عمته، جانج سونج، بتهمة الفساد، عبر تقديمه كـ«وجبة شهية» في قفص حديدي لـ120 كلب صيد، تم حرمانهم من الطعام لمدة 5 أيام، ليلتهموه كاملاً في غضون ساعات، وفقاً للإعلام الكوري الشمالي.

ولم يكن تعكير الصفو هو ما يدفع «كيم الحفيد» لاتخاذ قرارات الإعدام، بل إن مجرد «غفوة» غير مقصودة تعد في قاموسه سبباً كافياً للإعدام، مثلما حدث مع وزير الدفاع الكوري الأسبق هيون يونغ تشول، الذي غلبه النعاس خلال عرض عسكري أمام الزعيم الكوري، فكان مصيره الإعدام بصاروخ مضاد للطائرات أدى إلى تفتيت جسده، وفقاً لـ وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية.

الرعب من زعيم كوريا الشمالية
الرعب من زعيم كوريا الشمالية

ومن تفتيت الأجساد إلى إفنائها حرقاً، سبق وأن أمر الزعيم الكوري كيم جونغ أون، بإعدام وزير الأمن العام سانغ هون، بقاذفة من اللهب، بسبب صلته وصداقته بزوج عمة الزعيم الكوري، الذي سبق إعدامه أيضاً.. وهنا ربما يتبادر إلى الذهن تساؤلات عدة، منها: ماذا لو استاء من تصميم مطار جديد في بيونغ يانغ؟!، كانت الإجابة على هذا التساؤل هي:  إعدام رئيس المهندسين الكوريين الذين شاركوا في بناء المطار، بينما على صعيد آخر يصل الأمر يصل إلى قوانين تُجيز إعدام أي عائلة ينتحر فرد منها، وفقاً للأعراف والقوانين الكورية.

قرارات غريبة

في الوقت الذي تشكل خلاله الحرائق خطراً على الأنفس، من الطبيعي أن يصبح الاهتمام الأول بالنسبة للضحايا ومن يساعدونهم هو إنقاذ الأرواح، لكن الأمر مختلف في كوريا الشمالية، ففي حالة نشوب حريق ليس بإمكانهم المبادرة بإنقاذ أنفسهم، لأن الأولى في هذه الحالة هو إنقاذ صور زعماء سلالة كيم المعلقة إجباريا على الحوائط، وإلا يكون السجن مصير كل من يترك هذه الصور للحرق.

وفي هذا السياق، كانت «أُم» في كوريا الشمالية، قد خضعت لعقوبة السجن، بعد تعرض منزلها لحريق، حيث دخلت لمنزلها المُحترق لتنقذ أطفالها من الموت، لكنها تركت صور زعماء السلالة كيم المعلقة على الحائط ، وفقاً لما نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.

الرعب من زعيم كوريا الشمالية
الرعب من زعيم كوريا الشمالية

وتمتد القوانين والفلسفات الغريبة في كوريا الشمالية، لتتضمن حظر الابتسامة أو التحدث بصوت عالٍ في ذكرى وفاة كيم الجد وكيم الأب، في الـ8 من يونيو والـ 17 من ديسمبر من كل عام، أما ما يتعلق بالوظائف والسكن، فالحكومة وحدها هي من تُقرّر ذلك للأفراد، كما تقرر كذلك طريقة استخدام الإنترنت الذي لم يكن دخوله للبلاد، وسيلة تطويرية بقدر ما جّر وبالاً على الشعب؛ فلا يمكن تصفح الإنترنت إلا من خلال شبكة داخلية تضم 28 موقعاً فقط خاضعين للحكومة، أما كل من يحاول تصفح أى مواقع أو قنوات أجنبية فمصيره إما الإعدام أو السجن، وحتى الهواتف النقالة يتم تصنيعها في الصين فقط، ثم تعديلها محلياً بإضافة برامج تجسس لمراقبة أنشطة الكوريين.

حياة فائقة الترف

على الرغم من غرائب الوجه الخفي لكوريا الشمالية، الذي أدى إلى إحداث ركود اقتصادي بالبلاد، إلا أن الزعيم كيم يونغ أون، يعيش في رفاهية مُطلقة، ينفق من أجلها 600 مليون دولار سنوياً بحسب تسريبات نشرتها صحيفة “ديلي ميل” البريطانية.

كوريا الشمالية
كوريا الشمالية

وتتشكل فاتورة الإنفاق الهائلة لدى الزعيم كيم، من قائمة طويلة من رعاية أساطيل السيارات والقصور مترامية الأطراف، فضلاً عن الأطعمة المميزة المنتقاة من مختلف مناطق العالم، والمشروبات الكحولية والسجائر الفرنسية الفاخرة التي تصل إليه تهريباً بسبب الحظر الدولي، أما مقر الإقامة الرئيسي للزعيم الكوري فمُحصن ضد الهجوم النووي، ومحمي بسياج كهربائي عالي الجهد وحقول ألغام.. ليظل ما مضى مُجرد عنوان لعالم كوريا الشمالية ودائماً ما خفي أعظم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى