تحقيقات وحوارات

أزمة صناعة الكتاب بين «توحش الدولار» و«مخاطر الانحدار»

 

يشكل الكتاب دورًا هامًا بحياة المجتمع والفرد، فقراءة الكتب أشبه بعملية بناء للعقل وتنمية للوعي لدي الإنسان، يستطيع القارئ من خلال صفحاته أن يكتسب خبرات متعددة تساعده على تشكيل وجدانه وتوسع ثقافاته وقناعاته، يستلهم منها المعرفة وطرق مناسبة للتعامل مع الفئات المختلفة بحياته من خلال تنمية قدراته العقلية والمعرفية، ليكون حينها شخصًا شديد الثقة بالنفس، قادر على تخطي الأزمات وعلى تقبل الرأي الأخر واحترامه لاطلاعه على الثقافات والتجارب الأخرى.

لكن في الآونة الأخيرة تضررت صناعة وإنتاج الكتب بشكل لافت مواجهة بعض العراقيل وأسباب عدة سوف نناقشها معًا خلال بحثنا مع العاملين والمختصين بهذا الشأن.

عقبات وأزمات

وفي هذا الصدد علق الدكتور عيد عبدالله مالك ورئيس مجلس إدارة إحدى دور النشر قائلًا:

قطاع إنتاج الكتب شأنه شأن كافة القطاعات حاليًا، يواجه عقبات وأزمات، تتمثل أهمها في ارتفاع تكلفة استيراد الخامات المستخدمة للطباعة مثل الورق والأحبار بسبب ارتفاع سعر الصرف للدولار، وأمام هذا الارتفاع نكون مضطرين لتحميل منتج الكتاب هذه التكلفة كاملة، مما يكون سببًا لرفع سعر الكتاب لمستويات غير مسبوقة.

وكلما استمرت الأسعار بالارتفاع قلت عمليات البيع ورغبة القراء عن الشراء، وذلك يعد أكبر تهديد لمستقبل صناعة النشر.

صناعة الكتاب
صناعة الكتاب

وعلى صعيد أخر تشيع إحدى القناعات الخاطئة بين المجتمع العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة، تتشكل في أن شراء الكتاب شيء من الرفاهية مما يقلل من رغبة البعض في الشراء، لظنهم أن الكتاب سلعة ترفيهية، ويترتب على هذا الظن فقد الكتاب لأهميته ودوره الذي كان يجب أن يقوم به في تهيئة عقول الشباب للحياة المجتمعية الآمنة، مما ينذر بترك عقول الشباب فريسة للأفكار التي تبثها مواقع التواصل الاجتماعي.

أضف إلى ذلك سيطرة التكنولوجيا على الحياة ومعاناة قطاع إنتاج الكتب من القرصنة الإلكترونية للكتب والسطو عليها دون اعتبار ولا احترام لحقوق الناشر والكاتب ولا حتى لقوانين الملكية الفكرية.

لكن برغم من كل ذلك لا زلنا نراهن على الوعي المجتمعي بأهمية الكتاب، ودوره الكبير في تهيئة الشباب لمواجهة الأفكار الهدامة وسعي طيور الظلام للانقضاض على عقول الشباب.

عراقيل صناعة الكتب

كما أضافت الكاتبة بدر رمضان مديرة النشر بإحدى دور النشر والتوزيع مُعلقة: “العراقيل التي تواجه صناعة الكتب عامة وصناعة النشر خاصة فهي تخص بنسبة كبيرة سعر الورق الذي ارتفع بشكلٍ كبيرٍ في الآونة الأخيرة، وعليه فقد حاولنا السيطرة قدر ما استطاعنا على نظام النشر الخاص بنا الذي ينص على أن جودة العمل تظل في المقدمة أولًا مهما انحدرت بعض الأذواق التي تركض خلف جمهور من المراهقات، ممن يفضلون القصص الواهية ذات الحبكة البسيطة واللغة الركيكة، ولكن سيظل الجيد من المحتوى هو الباقي فأما الزبد فسيذهب جفاء.

وأما عن رأيي الخاص في المرحلة الحالية قد لا يعجب البعض ولكني صادقة في حدسي بالتأكيد، فمع ارتفاع سعر الورق والصعوبة التي تواجه أصحاب الصناعة من جهة الأسعار تارة وتضييق بعض الجهات على صدور أرقام الايداع تارة أخرى، أظن أن هذه المرحلة ستعيد صياغة سوق النشر بالتأكيد للأصلح والأصح”.

صناعة الكتاب
صناعة الكتاب

وعلقت الكاتبة فيروز عاطف أيضًا مؤكدة:” بصفتي كاتبة أرى أن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد في الوقت الحالي هي أكبر عائق يواجه سوق النشر، حيث أن ارتفاع تكلفة طباعة الكتب أدى ببعض دور النشر إلى العزوف عن قبول عدد كبير من الكتاب الموهوبين الذين يستحقون فرصة.

بات الأمر أصعب واشتدت المنافسة على كل كاتب منا لكي يكن في الصدارة ولا يسقط مع من سقطوا وتم استبعادهم، حتى أصبح الأمر معقد ومخيف.

نحن معشر الكُتاب نواجه بسبب تلك الأزمة تحدي حقيقي كبير، فالقارئ الذى اعتاد أن يشتري الكتب بدأ الآن ينصرف إلى سوق الكتب الالكترونية نظرًا لارتفاع سعر الكتب التي لا تضاهي ضعف وتضاؤل دخل الفرد”.

الكتابة الأدبية

كما أعربت الكاتبة مروة نصار عن غضبها من الوضع الثقافي المتدهور حاليًا قائلة:” لا أنكر أن سقف توقعاتي كان يناطح السحاب قبل خوض تجربة النشر الورقي، ظننت أن العمل الجيد سيسطع شعاعه وسط الأعمال التجارية والتي لا تنتمي للمجال الأدبي، وأن القارئ الحقيقي ليس مجرد مستهلك عادي، بل هو متذوق وذو ثقافة تجعله ينتقي ما يقدم إليه ولكن بعد عدة تجارب ورقية وعدد لا بأس به من الروايات الإليكترونية .. وجدت إن التوقعات تختلف تمامًا عن الواقع الذي فرض على الجميع، فالسوق الأدبي صار مثله كباقي الأسواق يعتمد على ما يطلبه المستهلك، ومع انتشار وانحدار الذوق العام وزيادة متابعيه، اتجه أغلب الناشرين إلى تقديم الأدب الهابط والسعي وراء أصحاب الحواديت العامية التي لا يجب أن ترتقي للنشر الورقي .

صناعة الكتاب
صناعة الكتاب

الآن أصبح الأمر جبري على الكاتب بعدما ينهي كتابة عمله، أن يدخل في خضم صراع تسويقي على كل وسائل التواصل الاجتماعي كي يسوق عمله المتقن وسط رواج كبير لأعمال منافسة تفتقر إلى أساسيات الكتابة الأدبية، وحينها لن تحقق أعماله المبيعات المرغوبة وبالتالي سيخسر الناشر ولن يهتم به مجددًا مهما بلغت درجة ابداعه.

وهذا ما أراه حقًا اجحافًا في حق الكُتاب، فالكاتب يجب أن يعامل معاملة الفنان المبدع الذي لا يطالب بشيء سوي الإلهام والإبداع حتي ينتهى عمله، فيبدأ حينها دور مؤسسة النشر التي يجب عليها أن تغير سياساتها وتعتمد طرق تسويق أخرى لأن ليس كل الكُتاب قادرين على تحقيق الانتشار أو مهارات البيع والشراء.

أتمنى أن نجد في مصر وكالات إعلانية لتسويق الكُتاب كما يحدث مع اللاعبين وبالمناسبة هذا الأمر منتشر في الخارج، يجب أن تهتم الدولة أكثر بالمبدعين الكتاب .. والأهم من هذا التشديد على دور الرقابة حتي يعود الأدب إلى أصحابه الأصليين وليس للدخلاء عليه”.

رأى القارئ

وبعدما ناقشنا جوانب الأزمة مع المختصين بهذا الشأن من مديرين ومسؤولي النشر لصناع المحتوي نفسه من الكُتاب، كان يجب أن نرصد الرأي الأخر لمستهلك هذا المنتج وهو القارئ الحقيقي، فقد عبرت تسنيم هشام إحدى القارئات عن رأيها وقالت:” انتشرت في الآونة الأخيرة كتب ومطبوعات ورقية دون المستوى صدرت لأشخاص من معدومي الموهبة، أعمال تخلوا حتى من حبكة منطقية أو لغة عربية سليمة، تفتقر حتى إلى أدنى الأسس والمقومات الأدبية التي تؤهل الصانع لبناء عمل جيد عليها.

دور النشر وسرقة الحقوق الملكية

مما يعد هذا اجحاف وحق مسلوب يتعرض له جميع مَن يتمتع بموهبة حقيقية، حيثُ أن دور النشر لا تلتفت إلا لمَن يحظى بجمهور كبير ومساحة انتشار تضمن لهم تحقيق مكاسب مالية غير مباليين أو مهتمين بوجود الموهبة.

صناعة الكتاب
صناعة الكتاب

ومع حلول الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار، ارتفعت أسعار الكتب المطبوعة بشكل جنوني، مما جرأ البعض من المنتفعين على السطو وسرقة الحقوق الملكية لبعض الأعمال الأدبية، من خلال قيامهم بطباعة نُسخ مزورة من تلكَ الأعمال مقابل أسعار وجودة أقل، مساهمًا بهذا في زيادة الأزمة داخل المنظومة الانتاجية في المؤسسة والإضرار بجميع الأطراف.

الرقابة

أتمنى أن تُخفض أسعار الورق لتهدأ الأسعار، وأن تنتقي دور النشر الكُتاب ذو الموهبة الحقيقية لتقوم بالنشر لهم دون النظر لأي اعتبارات أخرى، فليس كل مَن يملك عدد متابعين كثر أو قاعدة جماهيرية متعددة الفئات، يستطيع الكتابة أو يُطلق عليه كاتب..”

لقد حاولنا في هذا التحقيق جاهدين في مناقشة وإبراز جوانب الأزمة وأسبابها، ومحاولين إيجاد الحلول ومناشدة المسؤولين وكل من يملك حق القرار، يجب أن يكون هناك رقابة قوية على المصنفات الأدبية التي تصدر دون مراجعة أو رقابة حتى نحافظ على الإرث الأدبي الذي تركه لنا أدباء وكُتاب عِظام من كُل مدلس أو دخيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى