في الذكرى الـ74 لعيد الشرطة.. معركة الإسماعيلية حين تحولت التضحية إلى عيد وطني

نورهان جمال
تظل معركة الإسماعيلية واحدة من أعظم صفحات الكفاح الوطني في تاريخ مصر الحديث، بعدما جسّد رجال الشرطة ملحمة بطولية نادرة في مواجهة قوات الاحتلال البريطاني يوم 25 يناير 1952، لتصبح هذه الذكرى رمزًا خالدًا للفداء، وتُخلَّد لاحقًا كعيد للشرطة المصرية.
ومع حلول الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، تعود إلى الذاكرة قصص أبطال واجهوا آلة الحرب بصدور عارية، مؤكدين أن الدفاع عن الكرامة الوطنية لا يعرف حسابات القوة، وإنما يُقاس بالإيمان والانتماء للوطن.
ويقول المؤرخ أحمد فيصل، أحد مؤرخي محافظة الإسماعيلية، إن معركة 25 يناير لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت إعلانًا صريحًا لرفض الخضوع، حيث سطر رجال الشرطة بدمائهم قصة وطن لا يقبل الإهانة. وأضاف أن من بين أبرز أبطال تلك المعركة تبرز قصة فريدة للملازم ثان آنذاك فؤاد الدالي، الذي تحولت إصابته إلى شهادة حية على البطولة.
شظية في الرأس.. وبطولة لا تنزف
كان فؤاد الدالي ضمن قوات بلوكات النظام المحاصرين داخل مبنى المستوصف، المعروف وقتها بـ«مديرية الصحة القديمة»، ومع تصاعد الاشتباكات أطلقت قوات الاحتلال قنابلها، لتصيب إحداها الدالي بشظية في قدمه، وأخرى استقرت أسفل قاع الجمجمة داخل المخ.
ورغم خطورة الإصابة، لم يغادر موقعه، واستمر في القتال حتى نهاية المعركة، في صورة جسدت إصرار رجال الشرطة على الصمود حتى آخر طلقة. وبعد انتهاء المواجهات، سافر الدالي إلى أوروبا أملًا في استخراج الشظية، حيث خضع لفحوصات دقيقة على يد كبار جراحي العالم الذين شاركوا في علاج مصابي الحرب العالمية الثانية.
وأجمع الأطباء على دهشتهم من احتفاظه بكامل حواسه، معتبرين حالته أقرب إلى المعجزة الطبية، مؤكدين أن التدخل الجراحي قد يعرضه لفقدان إحدى حواسه أو حياته، ليتم اتخاذ قرار بترك الشظية في مكانها.
مسيرة عطاء حتى المعاش
عاد فؤاد الدالي ليستكمل مسيرته داخل جهاز الشرطة بشكل طبيعي، متنقلًا بين مواقع المسؤولية، حتى اختير في سبعينيات القرن الماضي مديرًا لأمن الإسماعيلية، ثم مديرًا لأمن الفيوم، قبل أن يخرج إلى المعاش برتبة لواء، بعد سنوات طويلة من الخدمة.
ويؤكد المؤرخ أحمد فيصل أن الدالي ظل حتى رحيله يحمل في رأسه شظية المعركة، كشاهد حي على بطولة جيل لم يتراجع أمام الاحتلال، لتبقى قصته واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الشرطة المصرية.
وتظل معركة الإسماعيلية شاهدًا خالدًا على شجاعة رجال آمنوا بأن الوطن يستحق التضحية، وأن الكرامة لا تُنتزع إلا بالصمود. ومع تعاقب السنوات، تبقى تضحيات أبطال 25 يناير نبراسًا يُلهم الأجيال، ويؤكد أن أمن مصر واستقرارها كُتب بدماء رجال أوفوا بالعهد ولم يتراجعوا.



