تحقيقات وحوارات

كيف أضعنا معنى العزاء؟

حين يطرق الموت أبوابنا ويغادر أحد أحبتنا هذه الدنيا، لا يبقى للقلوب إلا مقام الصمت والخشوع، حيث تتجلى لحظة الحقيقة: ما الذي يصل إلى الميت بعد رحيله؟ بعد أن تطوى السرادقات وتنطفئ الأضواء وينصرف الناس كل إلى بيته، يبقى السؤال حاضرًا في كل قلب: ماذا استفاد الميت فعلًا من كل هذا؟ كم من الدعاء خرج صادقًا، وكم من الرحمة قُدمت خالصة، وكم من هذا الإنفاق الهائل وهذه الحشود وهذه الساعات الطويلة تجاوزت حدود الدنيا ووصلت إلى القبر؟

فالعزاء الذي كان يومًا مقام سكينة ووقفة تجرد، صار عند كثيرين مناسبة مثقلة بالتفاصيل، يحسب فيها الحزن بحجم السرادق، وعدد المشايخ، وطول الأيام، ونوع الكراسي، وترتيب الصفوف، بل وبالتمييز الصريح بين من يجلس في المقدمة ومن يترك في الخلف، وكأن الموت نفسه أصبح مناسبة ترتّب طبقيًا، لا لحظة يتساوى فيها الناس أمام الفقد، ولا مقام يتجرد فيه الجميع من الألقاب والمكانة. ويصاحب هذا التوسع إنفاق ضخم قد يصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات على السرادقات، والضيافات، وأجور المشايخ، والتجهيزات، دون أن يكون لذلك كله أثر حقيقي يصل إلى الميت.

وقد كان هدي النبي  في مثل هذه اللحظات مختلفًا تمامًا، إذ لم يعرف عنه تكلف في العزاء، ولا إطالة في مظاهره، ولا تحويله إلى عبء إضافي على أهل الميت، بل كان العزاء قاصرًا في مدته، خفيفًا في شكله، حاضرًا في معناه، قائمًا على المواساة والدعاء والتذكير بالآخرة، وكان الأصل فيه التخفيف لا الإثقال، والرحمة لا الاستعراض، حتى تظل القلوب متصلة بالميت لا منشغلة عنه، وحاضرة مع المصير لا غارقة في التفاصيل.

ومع هذا التحول، أصبح الانشغال بالشكل أكثر وضوحًا في كثير من العزاءات، إذ ينفق بلا حاجة، ويكبر المشهد بلا معنى، وتحمّل لحظة الوداع ما لا تحتمل، فيغيب الهدوء، وتتراجع السكينة، ويصبح العزاء أقرب إلى حدث اجتماعي كبير منه إلى مقام دعاء ورحمة، كما زاد وضوحًا مع انتشار التصوير ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد العزاء عند البعض يكتمل إلا إذا وثق ونشر، وتحول إلى مادة للعرض في الجروبات والصفحات، تلتقط فيه الصور واللقطات الجماعية، وتحصى فيه الحشود، فيختلط الحزن بالمجاملة، ويضيع الحد الفاصل بين العزاء والظهور، بينما الميت، الذي هو محور هذه اللحظة، لا يناله من ذلك كله شيء.

والحقيقة التي يغيب استحضارها أن الميت، بعد أن يغلق قبره وينصرف الناس، لا يبقى معه سرادق ولا ازدحام ولا صور، بل يبقى مع عمله، ومع ما قدم له من دعاء صادق، وصدقة خالصة، واستغفار يراد به وجه الله، وهي الأعمال التي دلت السنة على أنها أنفع له وأبقى أثرًا، أما المظاهر فلا تتجاوز الدنيا ولا ترافق الإنسان إلى آخرته.

إن أكثر ما ينفع الميت هو دعاء يخرج من قلب حاضر لا من لسان منشغل، وصدقة تخرج بنية أن تكون نورًا له في قبره لا شهادة اجتماعية على كرم أهله، وسداد دينه إن وجد، ورد مظالمه إن كانت، والإكثار من القرآن والعمل على إصلاح أثره في الدنيا، فهذه الأفعال وحدها هي التي تؤنس وحشة القبر وتخفف ثقله.

وإن إعادة العزاء إلى هديه النبوي، وأن يكون قاصرًا في مدته، خفيفًا في شكله، حاضرًا في معناه، كفيل بأن يعيد إليه سكينته المفقودة، وأن يجعل من الفقد بابًا للخير لا مناسبة للاستنزاف والاستعراض، فالموت لم يأت ليضاف إلى مظاهر الدنيا، بل جاء ليجردنا منها، ويعلم الأحياء أن أبسط ما يهدى للميت بإخلاص، قد يكون عند الله أعظم أثرًا، وأبقى نفعًا، وأقرب إلى الرحمة التي يحتاجها في وحدته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى