مقالات
أخر الأخبار

من جزيرة إبستين إلى عالم الدجال المعاصر

محمد ترك يكتب:جزيرة إبستين: الوجه الحقيقي لعالم يدار من خلف الستار
محمد ترك

بقلم: محمد ترك

جزيرة ابستين: حين تتحول الفضائح الى منظومة صمت

لم تكن جزيرة ابستين مجرد موقع جغرافي معزول في عرض المحيط، بل تحولت مع الوقت الى رمز مكثف لعالم يعمل خارج منطق القانون والمساءلة. مكان اجتمعت فيه السلطة والنفوذ، وغابت عنه العدالة، ومرت عبره اسماء نافذة دون ان تترك وراءها محاسبة حقيقية.

القضية لم تعد متعلقة بجريمة فردية او شبكة محدودة، بل بما هو اخطر من ذلك: الصمت الذي احاط بالوقائع، والتعامل الانتقائي مع العدالة، وكأن القانون يفعل عند الحاجة فقط، ويغيب عندما يقترب من اصحاب القوة.

الصدمة الاكبر لم تكن في حجم الفضائح، بل في التناقض الصارخ الذي كشفته. شخصيات ومؤسسات تتبنى خطاب الدفاع عن حقوق الانسان، وتقدم نفسها كحراس للقيم والحرية، بينما ارتبطت اسماؤها بشكل مباشر او غير مباشر بوقائع فساد اخلاقي جسيم.

هذا التناقض فتح بابا مقلقا للتساؤل: هل القيم التي ترفع في الخطابات مجرد شعارات سياسية؟ وهل تتحول الاخلاق في بعض السياقات الى اداة للضغط والهيمنة، لا مبدأ يطبق على الجميع؟

في السياق ذاته، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا محوريا في اعادة تشكيل المفاهيم. ما بدأ كمساحات للتعبير الحر وتبادل الافكار، تحول تدريجيا الى منصات تحكمها الخوارزميات، حيث الاولوية للتفاعل والربح لا للقيمة او الوعي.

ضمن هذا المنطق، جرى تطبيع سلوكيات وانماط فكرية كانت مرفوضة اجتماعيا، وجرى تقديمها تحت عناوين الحرية الشخصية والانفتاح، بينما تراجع النقاش الجاد حول اثر ذلك على البنية الثقافية والاخلاقية للمجتمعات.

الهدم هنا لا يتم بالقوة، بل بالمحتوى، وبالتكرار، وبتحويل الاستثناء الى امر عادي، والخلل الى رأي.

عبر التاريخ، لم يكن الشر مجرد افعال منفصلة، بل غالبا ما اتخذ شكل منظومة تعمل بهدوء، تستهدف تفكيك الاسرة، اضعاف الروابط الاجتماعية، وتشويش الهوية الفردية والجمعية، مستخدمة خطابا جذابا يخفي مضمونا مفرغا من المعنى.

من هذا المنظور، لا تبدو ما يحدث اليوم احداثا عشوائية، بل امتدادا لمنطق قائم على التضليل وتزييف الحقائق، حيث يعاد تعريف المفاهيم بما يخدم مصالح محددة، لا الصالح العام.

جزيرة ابستين ليست حالة شاذة بقدر ما هي نموذج مكشوف لما يمكن ان يحدث عندما تجتمع السلطة مع غياب المحاسبة. فضائح يلفها الغموض، اعلام ينشغل بالقشور، وقوى قادرة على الافلات من المساءلة، بينما يظل جوهر القصة بعيدا عن الضوء.

في عالم تتكرر فيه الاكاذيب حتى تصبح مألوفة، يتحول الزيف الى واقع مقبول، وتصبح الحقيقة عبئا لا يرغب كثيرون في مواجهته.

الواقع العربي في دائرة الخطر

ضمن هذا المشهد الاوسع، لا يمكن فصل ما تواجهه المجتمعات العربية من ازمات هوية، واستقطاب داخلي، وتراجع قيمي عن هذه التحولات العالمية. انهيار المنظومة الاخلاقية لا يؤدي فقط الى خلل اجتماعي، بل يمهد الطريق لاضعاف الدول من الداخل، دون الحاجة الى صراع خارجي مباشر.

فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الثقافية يصبح اكثر هشاشة، واقل قدرة على المقاومة، مهما امتلك من موارد او شعارات.

رسالة قبل فوات الاوان

قضية ابستين ليست نهاية القصة، بل واحدة من اشارات كثيرة تدعو الى الانتباه. اخطر الحروب اليوم ليست تلك التي تشن بالسلاح، بل التي تستهدف الوعي، وتعيد تشكيل المفاهيم بهدوء حتى يصبح الانحراف امرا طبيعيا.

فالشر لا ينتصر دائما لانه الاقوى، بل لانه ينجح في ان يصبح مألوفا، وعندها يفقد الناس قدرتهم على تمييز الخطر وهو يتسلل الى حياتهم اليومية وللحديث بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى