مسجد القائد إبراهيم.. معلم تاريخي يضبط ساعة الإسكندرية منذ 1948
تم تشييده في الذكرى المئوية لوفاة إبراهيم باشا.. ويتحول إلى ساحة روحية مفتوحة في رمضان

في قلب الإسكندرية، حيث لا تهدأ الحركة ولا يغيب البشر، يقف مسجد القائد إبراهيم شاهدًا على تداخل الدين بالتاريخ، والعمارة بالمدينة، والزمن بالحياة اليومية. المسجد ليس مجرد مكان للصلاة، بل علامة حضرية راسخة في ذاكرة الإسكندريين، ارتبط اسمه بالميدان، والميدان باسمه، حتى صار كلاهما وجهًا واحدًا للمدينة.
أُطلق اسم المسجد تيمّنًا بـ إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ مصر الحديث، ومؤسس الجيش المصري النظامي.
وُلد إبراهيم باشا عام 1789، وقاد حملات عسكرية فارقة شكّلت ملامح الدولة المصرية الحديثة، قبل أن يتوفى عام 1848. وبعد مرور مئة عام على وفاته، تقرر تخليد اسمه ببناء مسجد يحمل دلالات وطنية ودينية في آنٍ واحد.
لماذا بُني المسجد عام 1948
شُيّد مسجد القائد إبراهيم عام 1948، في الذكرى المئوية لوفاة إبراهيم باشا، في لحظة تاريخية كانت فيها الدولة المصرية حريصة على ترسيخ رموزها الوطنية وربطها بالمجال العام.
لم يكن بناء المسجد مجرد عمل ديني، بل مشروعًا ذا بعد رمزي، يُعيد تقديم القائد العسكري في صورة معلم ديني جامع، يربط بين الماضي والحاضر.
لماذا هذا المكان تحديدًا
اختيار موقع المسجد لم يكن عشوائيًا. فقد أُقيم في ميدان محطة الرمل، أحد أهم الميادين الحيوية في الإسكندرية، ونقطة التقاء طرق وحياة يومية لا تنقطع. المكان يطل على كورنيش الإسكندرية، ويجاور ميدان صفية زغلول، وحديقة الخالدين، وكلية الطب بجامعة الإسكندرية، فضلًا عن مقار خدمية وتاريخية بارزة.
بهذا الموقع، أصبح المسجد جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، لا يمكن فصله عن حركة الناس، أو المواصلات، أو حتى الذاكرة البصرية للإسكندرية في القرن العشرين.
مهندس إيطالي بطابع إسلامي
تولى تصميم المسجد المهندس الإيطالي الأصل ماريو روسي، كبير مهندسي الأوقاف في ذلك الوقت، والذي عُيّن في منصبه عقب مسابقة رسمية في عهد الملك فؤاد الأول.
اشتهر روسي بقدرته على فهم العمارة الإسلامية وإعادة تقديمها بروح معاصرة دون الإخلال بأصولها، وكان من أبرز أعماله تجديد جامع المرسي أبو العباس، أحد أهم مساجد الإسكندرية.
في مسجد القائد إبراهيم، قدّم روسي نموذجًا معماريًا يجمع بين الانضباط الهندسي والثراء الزخرفي.
وصف معماري مزيج العصور
ينتمي المسجد إلى طراز معماري انتقائي، استلهم عناصر من العمارة المملوكية والعمارة الأندلسية.
القبة والمئذنة تحملان الطابع المملوكي من حيث الضخامة والرشاقة.
واجهات المسجد اعتمدت على العقود الأندلسية المفصصة، التي تضفي خفة وأناقة على الكتلة المعمارية.
الزخارف جاءت متوازنة، لا إفراط فيها، لكنها حاضرة بقوة، لتؤكد أن المسجد لم يُبنِ فقط للعبادة، بل ليكون تحفة معمارية في قلب المدينة.
ساعة في المئذنة لماذا؟
أكثر ما يميز مسجد القائد إبراهيم هو الساعة المثبتة في واجهة مئذنته، وهي إضافة غير مألوفة في تصميم المساجد المصرية آنذاك. وجود الساعة لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل استجابة لحاجة اجتماعية واضحة.
في أربعينيات القرن العشرين، لم تكن الساعات الشخصية منتشرة بين عامة الناس، فكانت المآذن والساحات العامة تؤدي دورًا زمنيًا مهمًا. جاءت ساعة مسجد القائد إبراهيم لتكون مرجعًا بصريًا لأهالي المنطقة، يُهتدى بها لمعرفة الوقت، وأوقات الصلاة، وتنظيم الحركة اليومية في واحد من أكثر ميادين المدينة ازدحامًا.
هكذا تحولت المئذنة من رمز ديني فقط إلى علامة زمنية، تضبط إيقاع المدينة، وتربط بين العبادة والحياة اليومية.
وصف الساعة ودلالتها
الساعة مثبتة بوضوح في واجهة المئذنة، يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة داخل ميدان محطة الرمل. تصميمها بسيط، واضح، بلا تكلف، يتماشى مع هيبة المسجد ولا يطغى عليها. وجودها في هذا الارتفاع يمنحها سلطة بصرية، تجعلها مرجعًا عامًا لا يخص المصلين فقط، بل كل من يمر بالمكان.
المسجد ورمضان حكاية خاصة
يُعد مسجد القائد إبراهيم من أشهر مساجد الإسكندرية في صلاة التراويح والتهجد خلال شهر رمضان. في هذا الشهر، يتحول المسجد ومحيطه إلى مساحة روحية مفتوحة، حيث يفد المصلون من مختلف أحياء المدينة. وفي العشر الأواخر، تمتد الصفوف إلى ميدان محطة الرمل، وميدان صفية زغلول، والكورنيش، لتصل أعداد المصلين إلى الآلاف، ما يؤدي أحيانًا إلى إغلاق بعض الشوارع وتعطل الحركة المرورية.
شاهد على المدينة
لم يكن مسجد القائد إبراهيم مجرد مبنى ديني، بل صار جزءًا من الذاكرة الجمعية للإسكندرية. ظهر في الصور التاريخية، ورافق تحولات الميدان، وظل ثابتًا بينما تغيّر كل ما حوله. هو مسجد يعرفه العابر قبل المصلي، ويقرأه التاريخ قبل العمارة، وتضبط ساعته وقت المدينة قبل أن تعلن أذانه.



