في أول تطبيق لحكم الدستورية، جنايات مستأنف تقضي بالبراءة وتؤكد: لا جريمة بلا نص صحيح

في أول تطبيق قضائي لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في فبراير 2026، أرست محكمة جنايات مستأنف، برئاسة القاضي شريف إسماعيل، مبدأً مهمًا في مجال الشرعية الجنائية، وذلك أثناء نظر اتهام بإحراز مادة «الأندازول كاربوكساميد» بقصد الاتجار.
وأكدت المحكمة أن التجريم لا يقوم إلا بنص صحيح صادر من جهة مختصة، وأن سقوط السند الدستوري لإدراج المادة يهدم الركن الشرعي للجريمة ويعيد الفعل إلى أصل الإباحة، وقضت ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه، بعد أن كان قد صدر بحقه حكم بالسجن المشدد لمدة 15 سنة.
لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص
أوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن الواقعة – بحسب ما استقر في يقينها – تتحصل في إسناد سلطة الاتهام إلى المتهم إحراز مادة «الأندازول كاربوكساميد» بقصد الاتجار، وكانت مدرجة – وقت الضبط – بأحد جداول المواد المخدرة الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها.
ومهدت المحكمة لقضائها بالتأكيد على أن الأصل في التجريم والعقاب هو الخضوع لمبدأ الشرعية الجنائية، وهو مبدأ دستوري مؤداه أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون»، وفقًا لنص المادة (95) من الدستور، التي تنص على أن العقوبة شخصية، ولا توقع إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون.
كما أشارت إلى المادة (96) من الدستور التي تقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له ضمانات الدفاع.
التفويض التشريعي وحدوده
بيّنت المحكمة أن نص المادة (32) من القانون رقم 182 لسنة 1960 خوّل وزير الصحة – دون غيره – سلطة تعديل الجداول الملحقة بالقانون بالإضافة أو الحذف أو النقل، وهو تفويض محدد لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه.
غير أن إدراج مادة «الأندازول كاربوكساميد» تم استنادًا إلى قراري رئيس هيئة الدواء المصرية رقمي 481 لسنة 2021 و600 لسنة 2023، وهي جهة لا تملك – قانونًا – سلطة تعديل الجداول، ما يجعل القرار صادرًا من غير مختص.
حكم «الدستورية» يحسم النزاع
وكانت المحكمة الدستورية العليا قد حسمت الأمر بحكمها الصادر بجلسة 16 فبراير 2026 في الدعوى رقم 33 لسنة 47 قضائية دستورية، إذ قضت بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية بإدراج مواد بجداول المخدرات، وسقوط ما ترتب عليها من آثار، لمخالفتها مبدأ الشرعية الجنائية وصدورها من غير الجهة المختصة.
وأكدت محكمة الجنايات المستأنفة أن قضاء المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص عقابي أو الأداة المنشئة له في المجال الجنائي يُعد قضاءً كاشفًا، يترتب عليه انعدام النص منذ نشأته واعتباره كأن لم يكن، ويمتد أثره إلى الوقائع السابقة.
انهيار الركن الشرعي للجريمة
خلصت المحكمة إلى أن الاتهام أقيم برمته على اعتبار المادة المضبوطة من المواد المخدرة استنادًا إلى قرارات سقطت دستوريًا، ومن ثم فإن الركن الشرعي للجريمة قد انهار، ولا يبقى للفعل وصفه الجنائي.
وأوضحت أن مجرد ثبوت الإحراز المادي لا يكفي، إذ إن التجريم في جرائم المخدرات يقوم على حيازة مادة يسبغ عليها القانون وصف «المخدر»، فإذا انتفى هذا الوصف انتفى التجريم ذاته.
كما ينتفي القصد الجنائي، إذ لا يتصور مساءلة المتهم عن مخالفة قاعدة قانونية تبين أنها غير قائمة أصلًا، فالقانون المنعدم لا يرتب التزامًا ولا ينشئ مسؤولية.
القضاء بالبراءة
انتهت المحكمة إلى أن الدعوى الجنائية أقيمت على غير أساس صحيح من القانون، وقضت بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم مما أسند إليه، عملًا بالمادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية، مؤكدة أن الشرعية الجنائية لا تتحقق إلا بنص صحيح قائم صادر من جهة مختصة، وأن النص الباطل لا يصلح مصدرًا للعقاب.



