اكتشاف ميكروب يكسر قاعدة أساسية في الشفرة الوراثية

نبيل عمران
اكتشف علماء من جامعة كاليفورنيا في بيركلي كائنا دقيقا يتحدى إحدى القواعد الأساسية في علم الوراثة، فبدلا من التعامل مع تسلسل معين من ثلاث قواعد في الحمض النووي بوصفه إشارة واضحة لإنهاء تصنيع البروتين، يستطيع هذا الميكروب أحيانا تجاهل هذه الإشارة والاستمرار في بناء البروتين، مما يؤدي إلى إنتاج نوعين مختلفين من البروتين من نفس الشفرة الجينية.
عادة تقرأ المعلومات الوراثية في الخلايا على شكل مجموعات من ثلاث قواعد تسمى “كودونات”، وكل كودون يحدد حمضا أمينيا معينا يستخدم لبناء البروتينات، وهناك كودونات خاصة تعرف بكودونات التوقف، وظيفتها إعطاء إشارة للخلايا بإنهاء تصنيع البروتين.
لكن الكائن الدقيق الذي اكتشفه الباحثون، وهو أحد العتائق المنتجة للميثان ويعرف باسم Methanosarcina acetivorans، يتعامل مع أحد كودونات التوقف بطريقة مختلفة، ففي بعض الحالات يفسره كإشارة توقف فعلية، وفي حالات أخرى يتجاهله ويضيف حمضا أمينيا نادرا يسمى بيروليزين ثم يستمر في بناء البروتين.
نتيجة لذلك يمكن أن ينتج بروتينان مختلفان من نفس التعليمات الجينية، وكأن الخلية تقوم باختيار عشوائي بين احتمالين، المدهش أن هذا الميكروب يبدو قادرا على العمل بشكل طبيعي رغم هذه المرونة في قراءة الشفرة الوراثية، وهو ما يتحدى الاعتقاد القديم بأن الشفرة الجينية يجب أن تكون دقيقة تماما.
يرجح العلماء أن هذه الظاهرة لمساعدة الكائن على استخدام مركب يسمى الميثيل أمين، وهو مركب يوجد في البيئة وكذلك في الأمعاء البشرية، إذ يسمح إدخال الحمض الأميني النادر في بعض الإنزيمات بتمكين الميكروب من تفكيك هذا المركب بكفاءة أكبر.
وقد يكون لهذا الاكتشاف أهمية طبية محتملة، فبعض الأمراض الوراثية تنتج عن ظهور كودون توقف مبكر داخل الجين، مما يؤدي إلى إنتاج بروتين ناقص وغير فعال، وتشمل هذه الحالات نحو 10% من الأمراض الوراثية مثل التليف الكيسي وضمور العضلات الدوشيني.
يشير الباحثون إلى أن جعل كودونات التوقف مرنة قليلا قد يسمح للخلايا بتجاوز التوقف المبكر وإنتاج بروتين كامل أو شبه كامل، وهو ما قد يخفف أعراض بعض هذه الأمراض.
كما لاحظ العلماء أن تفسير هذا الكودون في الميكروب يعتمد جزئيا على كمية الحمض الأميني بيروليزين داخل الخلية، فعندما يكون متوفرا بكثرة تميل الخلية إلى إضافته والاستمرار في تصنيع البروتين، أما عندما يكون نادرا فإن الكودون يعمل كإشارة توقف.
يحتوي هذا الميكروب على مئات الجينات التي تتضمن هذا الكودون، ما يعني أن العديد من البروتينات قد تنتج في شكلين مختلفين تبعا لظروف الخلية، ويعتقد الباحثون أن هذا الاكتشاف يفتح بابا جديدا لفهم مرونة الشفرة الوراثية وكيف يمكن التحكم في طريقة قراءة الخلايا للتعليمات الجينية.



