ثقافة وفنون

من الرومانسية إلى الزهد، عندما كتب إحسان عبدالقدوس “بدأت البحث عن الله في بيته”

بأسلوب أدبي متميز ومتفرد للكاتب والأديب إحسان عبد القدوس كتب خواطره عن رحلته إلى الحج، حيث مزج بين التأملات الروحية والتحليل النفسي العميق.

يصف رحلته وكيف ذاب الملايين من الحجاج في بوتقة الإيمان الواحد، متجاوزين كل الفوارق في مشهد يمحو الأنا ويصقل الروح، حيث وجد في الحج بما فيه من مشقة مدرسة لتغيير العادات والسيطرة على الأهواء، مما يصفي القلب ويهذب لنفس.

ففي مجلة روز اليوسف عام 1958 كتب الأديب إحسان عبد القدوس مقالا بعد عودته من رحلة الحج إلى بيت الله الحرام يسجل فيه خواطره فى الحج قال فيه:إن العقل الذي مهما وعى ومهما اتسع له الأفق لا يستطيع أن يخرج عن حدود المادة ولا يستطيع أن يعي أكثر مما يلمسه، يجب أن أسكت هذا العقل إذا أردت أن أصل إلى الله، فيا رب أعنى على عقلى، أنا عار إلا من كفنى.. فأنا ذاهب لأبحث عن الله في بيته.

رحلة الى جبال النور 

يقول احسان عبد القدوس: رأيت الجبال التي تحيط ببيت الله وقد اتحنت كلها إلى الأمام وكأنها الملائكة خشعوا سجدا، رأيت جبل النور حيث غار حراء يقف بينها ضخما عاليا مشرقا كأنه عرش الله، رأيت موجات الرمال كأنها آثار أقدام عمالقة من هواء لا نراهم، وهم يسعون حول العرش.

وأضاف الاديب أحسان عبد القدوس: أحسست برياح ندية تملأ صدرى وأحسست كأنى أرتفع عن السيارة التي أجلس فيها، وأسعى في الهواء وأنا بملابس الإحرام بين الجبال والأودية،ارتجفت وخفت.. إننى حقا في طريقى إلى الله، لم أرفع عينى عن الكعبة، لا أريد أن أرفعها، إننى منكس الرأس مغمض العينين، أسير وراء الدليل بلا وعى.

طواف لا ينقطع 

واستكمل إحسان عبد القدوس خواطره عن الحج فقال: بدأت الطواف وسط مئات يطوفون ولا ينقطع طوافهم ليل نهار.. وبدأت البحث عن الله في بيته.. ولا أستطيع أن أصل اليه، يا رب انى لم أصل لك كثيرا، ولم أصم لك كثيرا لكنى آمنت بك كثيرا، وخفتك كثيرا وراعيت حقك في الناس كثيرا واستغفرتك كثيرا وتوكلت عليك كثيرا فلا تحسبنى في عداد الكافرين وأبعد عنى العذاب الأليم

 

ثم يقول:بدأت الطوفة السادسة، لم أعد أشعر بكيانى.. إنى روح خالصة لله وانكفأت على جدار الكعبة وتعلقت في أستارها بيدى ورأيت الله، رأيته في قلبى وفى صدرى.

الايمان ذخيرة كبيرة لو عرف المسلمون

ويضيف احسان عبد القدوس: في الطوفة السابعة أحسست بأن هواء طاهر رطب يملأ صدرى ويكاد يرفعنى عن الأرض ويسير بى فوق السحاب،لم اشعر بالبيت ولا بالمسلمين الطوافين معى، وعندما قبلت الحجر الأسود لم أشعر بشيء.. لكنى توقفت وسألت نفسى وأحسست ببعض التأنيب.. هل جئت لأطلب من الله شيئا أم لأنى فقط احب الله حبا خالصا؟ إنه عالم كبير لا يجمعه شيء إلا الإيمان بالله.. والإيمان ذخيرة كبيرة لو عرف المسلمين.. ذخيرة تستطيع أن تجمعهم للعلم وللفن وللحرب والسياسة. 

الحصول على صك الغفران

ويتعجب احسان عبد القدوس ويقول: لقد نسى المسلمون حكمة الله ونبيه.. إنهم يأتون إلى هنا وكل منهم لا يسعى إلا إلى تصفية حسابه مع الله والحصول على صك الغفران، ويعود إلى أهله وهو يحمل لقب حاج، ولا ينتظر منهم إلا أن يستقبلوه على محطة كوبرى الليمون بالطبل والزمر، ويقبلون يده تبركا ويضعونه في عربة حنطور تطوف به الحوارى والأزقة.

ويختتم احسان عبد القدوس خواطره ويقول:غربت الشمس وخيل إلى أنها غربت عن هذا البيت الأمين وتركت وراءها هالة كبيرة، وقفت أصلى وكأنى لم أنقطع عن الصلاة يوما وكنت سعيدا.. ألست واقفا بين يدى صديق.. ألست صديق الله.

كاتب سياسى وروائى شهير 

إحسان عبد القدوس هو أحد عمالقة الأدب والفكر، لمع اسمه ككاتب سياسى وروائى بارز، كان هادئ المظهر وديعا فى سلوكه عنيدا شديد الإيمان بما يدعو إليه، ناضل من أجل الديمقراطية وحارب الفساد طوال حياته، هو صاحب مبدأ لا يحيد عنه وبسبب رأيه الحر الشجاع اعتقل أكثر من مرة ، صاحب أشهر مدرسة صحفية.

حملات قضية الاسلحة الفاسدة 

هاجم إحسان عبد القدوس القصر بمقالاته النارية كما هاجم النفاق السياسى والديكتاتورية، من اشهر حملاته الصحفية قضية الأسلحة الفاسدة عام 1948،وفى نفس الوقت اتهم بأنه يكتب أدب الفراش وان رواياته وافلامه اباحية تدعو الى الانفلات مثل روايته انا حرة والبنات والصيف، أنف وثلاث عيون، وهو يدافع عن نفسه ويقول بأنه يعكس فى رواياته واقع المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى