عربي ودولى

بين القصف والحصار، كيف تفرغ إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة من مضمونه؟

على الرغم من مرور أكثر من تسعة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تعيش غزة واقعا ميدانيا يناقض بنود الاتفاق، مع استمرار القصف الإسرائيلي وعمليات النسف والخروقات الإسرائيلية، بالتوازي مع القيود المشددة على دخول المساعدات وحركة السفر؛ حيث تحول الاتفاق إلى إطار هش لا يمنع العمليات العسكرية ولا يخفف من وطأة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وفي هذا السياق، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، تنفيذ عمليات عسكرية في مناطق متفرقة من القطاع، شملت توغلات شرق مدينة غزة وحي الزيتون تحت غطاء جوي وإطلاق نار مكثف، إلى جانب عمليات نسف واسعة شرقي المدينة وجنوبي خان يونس، وإطلاق قنابل إنارة ونيران كثيفة في محيط بلدة القرارة.

ولا تبدو هذه العمليات، وفق وتيرتها المتصاعدة، مجرد حوادث منفصلة، بل تعكس استمرار سياسة الضغط العسكري التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي داخل المناطق الحدودية وفي محيط ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو ما يبقي القطاع في حالة استنزاف أمني دائم رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

هل تحول الاتفاق إلى غطاء لاستمرار العمليات العسكرية؟

تنعكس هذه الخروقات مباشرة على الوضع الإنساني، إذ استشهد 12 فلسطينيا، بينهم أربعة أطفال، أمس الثلاثاء، وأصيب آخرون في غارات استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة.

وتكشف أرقام وزارة الصحة في غزة أن حصيلة الضحايا منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1168 شهيدا و3798 مصابا، فضلا عن انتشال 802 جثمان، في مؤشر على أن الاتفاق لم ينجح في وقف الخسائر البشرية.

أما الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر 2023، فبلغت نحو 73 ألف و293 شهيدا فلسطينيا، إضافة إلى 173 ألفا و906 مصابا، بما يعكس حجم الكلفة الإنسانية التي ما تزال تتفاقم رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار.

لماذا يستمر سقوط الضحايا رغم الاتفاق؟

وتدعم البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة هذا الواقع، إذ تشير إلى تسجيل 3795 خرقا إسرائيليا لاتفاق وقف إطلاق النار، أسفرت عن استشهاد 1168 فلسطينيا وإصابة 3734 آخرين، فضلا عن اعتقال 149 شخصا منذ بدء الهدنة.

ولا تقتصر آثار هذه الخروقات على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الالتزامات الإنسانية التي نص عليها الاتفاق. فبحسب المكتب الإعلامي، لم يدخل القطاع سوى 59 ألفا و613 شاحنة مساعدات من أصل 168 ألف شاحنة كان يفترض وصولها حتى 19 يوليو، أي بنسبة تنفيذ لا تتجاوز 35%.

كما سمح الاحتلال بسفر 9268 شخصا فقط عبر معبر رفح، من أصل 24 ألفا و600 مسافر كان يفترض تمكينهم من المغادرة، بنسبة تنفيذ بلغت 37%، وهو ما يعكس استمرار القيود على حركة المدنيين رغم التفاهمات المعلنة.

إلى أين يتجه القطاع الصحي تحت وطأة الحصار؟

في موازاة التصعيد العسكري، يواجه القطاع الصحي واحدة من أخطر مراحله منذ اندلاع الحرب، نتيجة استمرار منع دخول الإمدادات الأساسية وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مركبات الإسعاف.

وتؤكد وزارة الصحة في غزة أن نحو 70% من سيارات الإسعاف خرجت من الخدمة، بسبب الاستهداف المباشر ومنع إدخال الإطارات والزيوت وقطع الغيار، ما أدى إلى وصول خدمات النقل الطبي إلى حافة الشلل الكامل، في وقت تتزايد فيه أعداد الضحايا والمصابين.

ويعني ذلك أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الإمكانات الطبية، بل باتت تمس قدرة المنظومة الصحية على الوصول إلى المصابين وإنقاذهم، وهو ما يرفع احتمالات زيادة الخسائر البشرية مع أي تصعيد جديد.

هل أصبح وقف إطلاق النار بلا أثر على الأرض؟

وفي المحصلة، تشير تلك التطورات والخروقات الإسرائيلية إلى أن وقف إطلاق النار أصبح أقرب إلى هدنة معلقة تتخللها عمليات عسكرية متكررة، في ظل غياب آليات فعالة لضمان تنفيذ الاتفاق أو محاسبة من ينتهكه.

كما أن استمرار الضغط العسكري، بالتوازي مع القيود المفروضة على المساعدات والخدمات الأساسية، يعزز سياسة إدارة الصراع بدلا من احتوائه، ويجعل القطاع أمام أزمة إنسانية تتفاقم يوما بعد يوم، حتى في الفترات التي يفترض أنها تشهد هدوءا ميدانيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى