شيرين عبد الله تكتب: من فاتورة المنزل إلى مضيق هرمز.. يا قلبي لا تحزن!

بقلم: م/ شيرين عبدالله
بينما يغلي العالم من حولنا وتتأزم سلاسل إمداد الطاقة، أراقب المشهد المعقد من حولي، ولا أملك سوى أن أردد عبارة نلجأ إليها في لحظات التعجب والأسى: “يا قلبي لا تحزن”. ثمة “فضفضة” ظلت حبيسة الصدر لسنوات، وآن الأوان للبوح بها. بحكم سنوات طويلة أُمضيت في رصد ومراقبة أداء قطاع الكهرباء، لطالما كان مفهوم “الترشيد” بالنسبة لي رفيق رحلة وصديقاً أستأنس به، ولم يكن يوماً مجرد مهام وظيفية روتينية. ولكن، لعلها مفارقات العمل الإداري وتباديله وتوافيقه هي ما باعدت بيننا قليلاً.
لم يكن هذا هو السبب الوحيد لكتمان تلك الكلمات؛ بل كان هناك سبب آخر. ففي كل مرة يخرج فيها أي صادق أو مُدَّعٍ ليتحدث ناصحاً الناس بإجراءات معينة لتوفير استهلاك الطاقة، يُقابل بهجوم تلقائي وموقف عدائي مسبق. وكأن هذا المتحدث ليس مواطناً بالأساس يخرج من صفوف الجماهير، يحمل نفس همومهم ويعيش ذات المعاناة.
ولكن، في ظل ما نمر به، آن الأوان ألا نخشى إلا الله، وألا نقول إلا ما يرضيه ويُبرئ ذممنا.
إن قضية الترشيد أعمق بكثير من مجرد فواتير أو قرارات حكومية؛ إنها “تهذيب” للنفس، وضرورة رياضية وعلمية لبقائنا. دعونا نبسط الأمر بعيداً عن التعقيدات الأكاديمية؛ هناك نموذج رياضي عالمي يُسمى “معادلة كايا” (Kaya Identity) يستخدمه الخبراء لحساب حجم الخطر الذي يهدد الكوكب. هذه المعادلة تقول ببساطة إن أزمتنا يحكمها أربعة عوامل: عدد سكان الأرض، ومستوى التنمية والرفاهية الاقتصادية، ونوع الطاقة التي نستخدمها، وأخيراً حجم ما نستهلكه من هذه الطاقة (كثافة الاستهلاك).
وبحسبة منطقية بحتة: نحن لا نملك حق إيقاف النسل البشري، ولا نريد بالتأكيد وقف عجلة التنمية. كما أن استبدال كل محطات الكهرباء لتصبح خضراء بالكامل هو حلم يحتاج لسنوات طويلة وتريليونات الدولارات. إذن، ماذا يتبقى في أيدينا لإنقاذ الموقف؟ لم يبقَ أمامنا سوى العامل الأخير في المعادلة: استخدام طاقة أقل للقيام بنفس أنشطتنا المعتادة، وهذا هو التفسير العلمي المبسط لكلمة “الترشيد”. الترشيد إذن ليس مجرد شعار نردده، بل هو طوق النجاة الرياضي والوحيد المتاح في معادلة بقائنا.
ولكن لغة الأرقام تفضح تقاعسنا بشكل مخيف. فلكي نُنقذ هذا الكوكب، أكد الخبراء أننا بحاجة إلى تحسين “كفاءة استهلاك الطاقة” بنسبة 4% سنوياً كحد أدنى؛ أي أن نتعلم كيف نلبي نفس احتياجاتنا اليومية من تبريد وإضاءة وغيره، ولكن باستهلاك طاقة أقل كل عام. لكن الصدمة جاءت في أحدث تقارير وكالة الطاقة الدولية IEA، والتي كشفت أن العالم تكاسل وتراجع، ولم نُحقق سوى تحسن بنسبة 1% فقط! هذا الرقم الهزيل يُترجم حقيقة مُرة: نحن ما زلنا غارقين في شراهة الاستهلاك وهدر الكهرباء والوقود بلا مبالاة.
وما هي ضريبة هذا التكاسل؟ بما أننا فشلنا في ترشيد استهلاكنا، اضطرت الدول لتلبية هذا الطلب المتزايد عبر حرق المزيد والمزيد من الوقود في محطات توليد الكهرباء. والنتيجة؟ وصول الانبعاثات الكربونية الخانقة إلى مستوى كارثي بلغ 37.8 مليار طن! هذا ليس مجرد رقم عابر، بل هو أعلى مستوى تلوث سُجل في تاريخ البشرية جمعاء. هذا العبء الثقيل هو ما جعل الأرض تئن وتختنق حرفياً، وهو ما نكتوي بناره اليوم وأكدته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO بتسجيلها أرقاماً قياسية غير مسبوقة في احترار الكوكب.
ولكن دَعونا نبتعد قليلاً عن لغة المناخ، ولننظر إلى الواقع الجيوسياسي القاسي الذي يطوقنا. إن ما نشهده من أزمات وتوترات متصاعدة في “مضيق هرمز” – الشريان الأهم والأخطر لتدفق إمدادات الطاقة والوقود في العالم – ليس مجرد نشرة أخبار نمر عليها مرور الكرام، بل هو جرس إنذار يصم الآذان. عندما يهدد التوتر في مضيق بحري واحد بخنق إمدادات الغاز والنفط، ودفع أسواق الطاقة العالمية نحو حافة الهاوية، كيف يمكن لعاقل أن يستمر في التعامل مع الكهرباء والوقود وكأنها حقوق مكتسبة لا تنضب؟ هنا حقاً نردد “يا قلبي لا تحزن” على وعيٍ غائب، فإهدار الطاقة في ظل هذه الهشاشة العالمية لم يعد مجرد “أنانية”، بل بات استنزافاً مباشراً لمخزون الأمان الاستراتيجي للأوطان، وتهديداً لاستقرار الشبكات التي نكافح يومياً لضمان استمراريتها.
هنا تتجلى الأنانية البشرية في أبشع صورها. وفقاً لتقرير “يوم التجاوز الأرضي”، فإن البشرية تستهلك ميزانية الأرض السنوية من الموارد بحلول شهر أغسطس! نحن نعيش في “عجز بيئي” ونستهلك موارد بمعدل يتطلب وجود 1.7 كوكب أرض.
ولإسقاط هذا العبء على سلوكنا اليومي، دعونا نستحضر من علم الإحصاء مفهوم “الدالة التراكمية” (Cumulative Function) وقانون الأعداد الكبيرة لنرى كيف تولد الكارثة من رحم الاستهانة. تخيل أن لدينا مليون أسرة فقط. في كل منزل، قرر أحدهم ترك مصباح موفر (LED) واحد صغير بقدرة 20 وات مضاءً دون حاجة لمدة ساعة واحدة فقط يومياً. على المستوى الفردي: سينظر المواطن إلى هذا الهدر على أنه لا شيء تقريباً، فهو استهلاك بالغ الضآلة لا يتعدى 0.02 كيلووات/ساعة يومياً، رقم قد لا يلتفت له عداد الكهرباء بوضوح ولن يؤثر إطلاقاً في فاتورته.
ولكن بتطبيق “الدالة التراكمية”: عندما يُترك هذا المصباح مضاءً في مليون منزل في نفس التوقيت، يتولد فجأة “حمل ذروة” إضافي على الشبكة القومية مقداره 20 ميجاوات! ماذا تعني 20 ميجاوات؟ تعني أن الشبكة تتحمل فجأة عبئاً طاقياً يكفي لإنارة مدينة صغيرة أو تشغيل مجمع صناعي ضخم، وتحرق من الوقود ما يكفي لإطلاق حوالي 8 أطنان من الانبعاثات الكربونية السامة في غلافنا الجوي يومياً. تخيلوا معي أن هذا العبء القومي نتج فقط عن “لمبة صغيرة تُركت لساعة واحدة في مليون بيت”! فما بالكم لو طبقنا هذه الدالة الإحصائية على ملايين اللمبات وأجهزة التكييف والسخانات التي تُترك تعمل بلا طائل لساعات طويلة في عشرات الملايين من المنازل؟ هذا هو الوجه الحقيقي لقانون الأعداد الكبيرة، حيث يتحول الاستهتار الفردي غير المرئي إلى وحش يستنزف موارد الدولة وأمنها الطاقي.
هذه الموارد التي بين أيدينا هي أمانة استخلفنا الله عليها، وليست غنائم شخصية نستبيحها. فبأي منطق أسمح لنفسي باستنزاف طاقة لا أحتاجها، وأخصم من رصيد المجتمع؟ لقد أرست تعاليم جميع الأديان قاعدة ذهبية للترشيد: (لا تسرفوا) أي أن عدم الاسراف وصية إلهية قبل أن يكون ضرورة اقتصادية. لقد نهى الإسلام عن الهدر في قوله تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”، وتأصل هذا المعنى في المسيحية في معجزة إشباع الجموع عندما أمر المسيح: “اجمَعُوا الكِسَرَ الفاضِلَةَ لِكَي لا يَضيعَ شَيءٌ” تأكيداً على عدم التفريط في أدق النعم. لذا، حين ترشد استهلاكك، أنت لا تستجيب لتعليمات مسؤول أو دولة أو حتى هذا الفنان أو النجمة في إعلانات حملات الترشيد، بل تضع نفسك في الموضع الذي أرادك الله فيه وتلبي واجبك ومسؤوليتك.
لماذا أترك جهاز التكييف أو اللمبة تعمل دون جدوى، بينما عداد الكهرباء في هذه اللحظة لا يحسب الكيلو وات/ساعة فحسب، بل يَعُدُّ مقياس “أنانيتي” واستنزافي لحق غيري؟ ولماذا أستهلك وقوداً في مشاوير بلا طائل؟ وحتى إن كنت قادراً على شراء البنزين، فالمسألة ليست في القدرة المادية على سداد ثمنه، بل في كونه نِعمة وجزءاً من مالنا الذي سيسألنا الله عنه فيما أنفقناه.
حقاً.. يا قلبي لا تحزن على فواتير تُدفع، بل على موارد تُهدر وعقول لا تدرك حجم الكارثة. فكروا جيداً، وراجعوا سلوكياتكم، قبل أن نهلك بما فعل السفهاء منا.



