من منية سمنود إلى الخارج.. عمرو السبخاوي يحول النقاشة إلى فن ويثبت مهارة الأيدي المصرية
حسناء رفعت
المصرية نيوز ترصد تجربة شاب مصري اختار الحرفة حبًا فيها.. فابتكر وتميز وترك بصمته في أعمال داخل مصر وخارجها
ليست كل حرفة مجرد مهنة يؤديها صاحبها بحثًا عن مصدر للرزق، فبعض المهن تتحول مع الشغف إلى مساحة للإبداع، ويصبح صاحبها قادرًا على أن يضيف إليها من خبرته ورؤيته ما يجعلها أقرب إلى الفن.

ومن هنا لفتت تجربة “عمرو السبخاوي”، الشاب المصري ابن قرية منية سمنود بمركز أجا في محافظة الدقهلية، انتباه «المصرية نيوز»، بعدما رصدنا جانبًا من أعماله التي تتجاوز مفهوم النقاشة التقليدية، وتعتمد على الدقة والابتكار والتعامل مع الأسطح والألوان والتشطيبات باعتبارها عناصر أساسية في صناعة الشكل النهائي للمكان.
«المصرية نيوز» التقت “عمرو” للحديث عن تجربته، وكيف بدأ طريقه في هذه المهنة، وما الذي دفعه إلى الاستمرار والتطوير، حتى أصبحت أعماله تمتد إلى خارج مصر، في دول عربية وأجنبية.

لم يختر المهنة اضطرارًا.. بل اختارها حبًا
بدأ عمرو السبخاوي مشواره في مجال الفنون والتشطيبات الزخرفية منذ سنوات، وخلال فترة تدريبه التي امتدت لنحو عشر سنوات، تعلّم الكثير من أسرار المهنة وتفاصيلها الدقيقة.
وكان من أهم محطات بدايته التدريب على يد المعلم الحرفي “محمد أبو شحاتة”، الذي لم يقتصر دوره على تعليمه التقنيات الفنية، وإنما نقل إليه كذلك قواعد أساسية في التعامل مع المهنة والعمل والعميل.

تعلم عمرو تقنيات متعددة في التشطيبات والزخارف، من بينها العجائن البارزة، وتقنيات الإسفنج، والتشطيبات ذات الملمس، واستخدام أوراق الرقائق المعدنية «الفويل»، ومزج الألوان، وتجهيز الأسطح قبل بدء التنفيذ.
لكن، بحسب ما يروي عمرو، فإن أهم ما تعلمه لم يكن مرتبطًا بأداة أو خامة بعينها، وإنما كان يتعلق بالانضباط والنظام واحترام المكان.
فالحفاظ على نظافة موقع العمل، وترتيب الأدوات، وحماية ممتلكات العميل، والاهتمام بالتفاصيل، كلها أمور يرى عمرو أنها جزء أصيل من جودة العمل، وليست مجرد خطوات إضافية يمكن الاستغناء عنها.
ومع مرور الوقت، لم يعد عمرو ينظر إلى النقاشة باعتبارها مجرد وظيفة يؤديها، بل اختار أن يجعل منها مجالًا يحبه ويبحث باستمرار عن طرق جديدة للتطوير فيه.

عندما تتحول النقاشة إلى فن
يرى “عمرو” أن الأدوات والآلات يمكنها أن تساعد الحرفي في إنجاز بعض مراحل العمل بصورة أسرع، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العين البشرية وخبرة الحرفي وقدرته على اتخاذ القرار.
فالعميل في كثير من الأحيان لا يطلب لونًا محددًا أو تقنية بعينها، وإنما يصف إحساسًا يريد أن يراه داخل المكان؛ أن تكون الغرفة هادئة، أو دافئة، أو فاخرة، أو ذات طابع مميز.
وهنا يأتي دور الحرفي في تحويل هذا الإحساس إلى ألوان وملامس وتشطيبات تتناسب مع طبيعة المكان والإضاءة وتظل محتفظة بجمالها مع مرور الوقت.
ومن وجهة نظر “عمرو”، فإن الإتقان لا يعني أن يعرف الحرفي جميع التقنيات فقط، وإنما أن يعرف متى يستخدم كل تقنية، وكيف يوظفها بالشكل المناسب للمكان.
ابتكار من سطح مألوف
لم يتوقف الأمر بالنسبة لعمرو عند تعلم التقنيات الموجودة، وإنما بدأ يبحث عن طرق مختلفة لاستخدامها.
ومن بين التجارب التي تركت أثرًا في مسيرته، تجربة نفذها عام 2008، عندما تعامل مع السقف باعتباره جزءًا أساسيًا من تصميم الغرفة، وليس مجرد مساحة علوية يتم طلاؤها بلون واحد.
فنفذ عليه أنماطًا دقيقة تجمع بين الملمس المطفي واللامع، مع استخدام إطارات زخرفية بارزة، لتتحول مساحة السقف نفسها إلى عنصر من عناصر التصميم.
وانتشرت الفكرة بين العملاء عن طريق التوصيات والتناقل، وهو ما يعكس جانبًا مهمًا من طبيعة الابتكار في الحرف؛ فليس من الضروري دائمًا أن يبدأ التطوير باختراع خامة جديدة، وإنما قد يبدأ بمجرد النظر إلى الشيء المعتاد بطريقة مختلفة.
من الدقهلية إلى خارج مصر.
ومع تراكم الخبرة، بدأت أعمال عمرو في الانتقال من نطاق العمل المحلي إلى مشروعات خارج مصر، ليعمل في عدد من الدول العربية والأجنبية.
وكانت اليونان واحدة من أبرز محطات تجربته الخارجية، حيث أنجز هناك أكثر من 50 مشروعًا خلال الفترة من 2019 وحتى 2025، بحسب ما أوضحه لـ«المصرية نيوز».

ويقول عمرو إن السمعة المهنية والتوصيات لعبتا دورًا أساسيًا في وصوله إلى مشروعات جديدة، إذ جاءت له ترشيحات من مهندسين معماريين ومدنيين وأصحاب أعمال.
وفي بعض المشروعات، لم يكن السعر الأقل هو العامل الحاسم في الاختيار، وإنما كانت خبرة الحرفي وطريقة عمله واهتمامه بالتفاصيل عوامل تحسم المنافسة.
ويؤكد عمرو أنه يحرص على منح مرحلة التجهيز والتحضير وقتًا كافيًا، لأن ما يتم إنجازه قبل بدء التشطيب يؤثر بصورة مباشرة على النتيجة النهائية.
«اسمي وسمعتي على الشغل»
ربما تلخص هذه العبارة جانبًا مهمًا من فلسفة عمرو في العمل؛ فهو يرى أن الحرفي لا يضع يده فقط على المكان، وإنما يضع معه اسمه وسمعته.
ولهذا يهتم بتفاصيل قد لا تكون ظاهرة للعين من الوهلة الأولى، ويحرص على معالجة المشكلات قبل أن تظهر في الشكل النهائي.
وبالنسبة له، فإن جودة العمل لا تتوقف عند لحظة تسليمه للعميل، وإنما تمتد إلى قدرته على الحفاظ على شكله وجودته مع مرور الوقت، وتقليل الحاجة إلى الإصلاحات المتكررة.
معلمه رحل.. والدرس مستمر.
بعد وفاة معلمه محمد أبو شحاتة عام 2023، شعر عمرو بمسؤولية تجاه نقل ما تعلمه إلى أجيال أخرى.
ويستعيد موقفًا جمعه بمعلمه بعد أن أصبح يعمل بصورة مستقلة، عندما دعاه لمشاهدة أحد المشروعات السكنية التي نفذها.
لم يكن تعليق محمد قائمًا على توجيه الانتقادات، وإنما قال له، بمعنى ما يتذكره عمرو: لقد علمتك الأساس، لكنك أنت من طورت عملك وصنعت رؤيتك الخاصة.
وكانت تلك الفكرة بالنسبة لعمرو من أهم دروس المهنة؛ فالمعلم الحقيقي لا يصنع نسخة منه، وإنما يساعد المتدرب على امتلاك أدواته ثم تكوين شخصيته ورؤيته الخاصة.
الحرفي المصري.. مهارة تتجاوز الحدود
وتعيد تجربة عمرو السبخاوي إلى الواجهة الحديث عن مهارة الحرفيين المصريين وقدرتهم على المنافسة خارج حدود الوطن.
فمصر تمتلك تاريخًا طويلًا في الحرف والفنون اليدوية والزخرفية، من الخيامية والأرابيسك والزجاج المعشق والتطعيم بالصدف، إلى الخزف والفخار والسجاد اليدوي وأعمال النحاس وغيرها، وهي مجالات ارتبطت عبر التاريخ بمهارة الصانع المصري.
وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت مشاركات مصرية في معارض وفعاليات دولية للترويج للحرف والصناعات الإبداعية المصرية، بما يعكس امتداد هذه المهارات إلى أسواق ومساحات جديدة خارج الحدود.
لكن بعيدًا عن المعارض والمبادرات، تظل هناك قصص فردية لمصريين خرجوا من قرى ومدن مختلفة، وحملوا مهاراتهم إلى أسواق جديدة، ليصبح العمل نفسه هو بطاقة التعريف.
وعمرو السبخاوي واحد من هذه النماذج؛ شاب بدأ من منية سمنود بالدقهلية، واختار أن يتعامل مع النقاشة باعتبارها حرفة قابلة للتطوير والابتكار، ثم انتقل بخبرته إلى مشروعات خارج مصر.
فالمصري حين يسافر للعمل في الخارج لا يحمل معه أوراقه فقط، وإنما يحمل خبرته ومهارته وطريقة عمله، وفي كثير من الحالات يصبح ما يقدمه بيديه هو التعريف الأول به وببلده.
من الحرفة إلى نقل الخبرة
اليوم، لا ينظر عمرو إلى مستقبله باعتباره مرتبطًا بتنفيذ المشروعات فقط، وإنما يتطلع كذلك إلى نقل خبرته إلى آخرين، وتعريف المتدربين بتقنيات الزخرفة والتشطيبات، إلى جانب المعرفة بالمواد، وفهم طبيعة الأسطح، والقدرة على اتخاذ القرار الإبداعي.
ويؤمن بأن الحفاظ على الحرفة لا يكون بتعليم خطوات التنفيذ فقط، وإنما بتعليم فلسفة العمل نفسها؛ الصبر، والنظافة، والنظام، وحسن التقدير، وإعادة العمل عند الحاجة حتى الوصول إلى النتيجة المطلوبة.
أما نصيحته التي يلخص بها تجربته، فهي بسيطة في كلماتها، لكنها تحمل خلاصة سنوات طويلة من العمل:
ابحث عن الشيء الذي تحبه، واجعل شغلك مرتبطًا بشغفك؛ لأنك عندما تهتم بالعمل من أول خطوة، تصبح الجودة نتيجة طبيعية، ويتحول العمل نفسه إلى مصدر للإلهام.
وهكذا تظل قصة عمرو السبخاوي أكبر من مجرد قصة شاب يعمل في مهنة النقاشة؛ إنها حكاية حرفة مصرية حملها صاحبها من قرية في الدقهلية إلى خارج الحدود، وأضاف إليها من رؤيته وخبرته، لتصبح مهارته الشخصية جزءًا من صورة أوسع عن الحرفي المصري الذي يستطيع أن يثبت نفسه أينما ذهب، عندما يمتلك الموهبة والإتقان والشغف بما يصنعه.



