بيومي يستعيد رحلة «قاهر خط بارليف» من التدريب إلى الإصابة: سباحة في القناة وذراع فقدها في المعركة

نورهان جمال

لم يكن إسماعيل بيومي جاب الله يتوقع أن تنتهي إحدى أصعب لحظات مشاركته في حرب أكتوبر بمحاولة السباحة في قناة السويس وهو مصاب وينزف، لكنه كان وقتها يرى أن الوصول إلى نقطة طبية هو الطريق الوحيد للعودة إلى الجبهة.

كانت الإصابة التي تعرض لها في 24 أكتوبر 1973 هي الثانية خلال أيام الحرب، لكنها كانت الأكثر خطورة، بعدما أصابت شظايا ذراعه اليمنى وحطمت عظامها، لتنتهي رحلة مقاتل سلاح المهندسين ببتر ذراعه، بعد أيام قضاها في القتال ورفض خلالها مغادرة موقعه رغم إصابته الأولى.

وقبل أن يصبح بيومي صاحب لقب «قاهر خط بارليف»، كانت قصته قد بدأت قبل الحرب بسنوات، عندما التحق بالقوات المسلحة عام 1969، وانضم إلى سلاح المهندسين، حيث أمضى أربع سنوات في التدريب على استخدام مضخات ومواتير المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي.

كان التدريب يتكرر بصورة مستمرة، ويشمل التعامل مع المعدات وتنفيذ عمليات إزالة الرمال، في انتظار اليوم الذي تتحول فيه التدريبات إلى مهمة حقيقية على أرض سيناء.

ويقول بيومي إن أفراد سلاح المهندسين كانوا يدركون أهمية المهمة التي يتدربون عليها، لكنهم لم يعرفوا موعد استخدامها، حتى جاء السادس من أكتوبر 1973.

في ذلك اليوم كان بيومي موجودًا في معسكر الشلوفة، وعندما بدأت الطائرات المصرية في عبور القناة ودوّت أصوات المدفعية، أدرك أن لحظة الانتظار انتهت.

ويستعيد المشهد قائلًا: «عندما شاهدنا الطائرات وسمعنا المدفعية، كانت فرحتنا كبيرة، ورددنا الله أكبر، ثم بدأنا في تجهيز المعدات والتحرك لتنفيذ المهمة».

اتجه بيومي وزملاؤه إلى قناة السويس، وكانت مهمتهم فتح الثغرات في الساتر الترابي حتى تتمكن القوات المصرية من العبور.

 

ويشير إلى أن استخدام المياه في إزالة الساتر الترابي كان نتاج جهود هندسية وتدريبات طويلة، وأن عناصر سلاح المهندسين كانوا قد تدربوا على تنفيذ المهمة مرات عديدة قبل الحرب.

 

وبعد نجاح فتح الثغرات وبدء عبور القوات المصرية، شعر بيومي بأن سنوات التدريب وجدت أخيرًا طريقها إلى أرض المعركة.

 

ويقول: «كنا نعرف أن المهمة صعبة، لكننا تدربنا عليها كثيرًا، وعندما رأينا قواتنا تعبر من الثغرات شعرنا أن كل ما قمنا به خلال سنوات التدريب لم يذهب هباء»، لكن المعركة لم تمنحه وقتًا طويلًا لالتقاط الأنفاس.

 

ففي ليلة السابع من أكتوبر، تعرض القارب الذي كان يستقله مع زملائه للقصف، وأصيب بحروق في جسده ووجهه وعينه اليمنى، ورغم الإصابة، لم يكن بيومي مستعدًا لمغادرة الجبهة.

 

ويقول: «طلب مني زملائي وقادتي أن أتوجه للعلاج، لكنني رفضت وأصررت على البقاء واستكمال المعركة»، استمر في أداء مهمته، حتى وصلت الحرب إلى أيامها الأخيرة، ودارت اشتباكات عنيفة في منطقة الجناين عند مدخل السويس.

 

وفي عصر 24 أكتوبر، تعرض موقعه للقصف، وأصيب بشظايا في ذراعه اليمنى أدت إلى تهشم العظام، هذه المرة لم تكن الإصابة مجرد جرح يمكن التعامل معه في موقع القتال، إذ بدأ النزيف بصورة مستمرة، بينما كانت حركة الإخلاء والعلاج صعبة بسبب ظروف المعارك.

 

ورغم ذلك، حاول بيومي وقف النزيف وربط ذراعه، ثم تحرك بحثًا عن مكان يمكنه فيه تلقي العلاج.

 

ويقول: «كنت أنزف، لكنني لم أكن أفكر إلا في الوصول إلى مكان أتلقى فيه العلاج، ولذلك سبحت في قناة السويس رغم إصابتي».

 

وصل في النهاية إلى كتيبة طبية، ومنها جرى نقله إلى عيون موسى، حيث بدأت مرحلة العلاج التي انتهت بإجراء جراحة وبتر ذراعه اليمنى.

 

ومع انتهاء مشاركته في القتال، بدأت مرحلة أخرى من حياته، كان عليه خلالها أن يتعامل مع آثار الإصابة، إلا أن ذكريات الحرب ظلت حاضرة بكل تفاصيلها.

 

لقاء جيهان السادات

 

وخلال فترة علاجه، التقى جيهان السادات أثناء إحدى زياراتها للمصابين، وسألته عما يريده بعد إصابته.

 

ويحكي بيومي أن طلبه كان بسيطًا: «قلت لها إنني أريد النصر، والحمد لله انتصرت مصر، ولم أكن أريد شيئًا آخر».

 

وفي عام 1974، انتقل إلى يوغوسلافيا لاستكمال العلاج، وهناك التقى الرئيس الراحل أنور السادات، الذي تحدث معه عن مشاركته في الحرب ودوره في فتح الثغرات.

 

وبحسب رواية بيومي، أطلق السادات عليه لقب «قاهر خط بارليف»، ليصبح اللقب جزءًا من سيرته بعد الحرب.

 

ولم تقتصر تكريمات بيومي على اللقب، إذ حصل على نوط الواجب من الدرجة الثانية، ونوط الشجاعة من الدرجة الثانية، وميدالية السادس من أكتوبر، إلى جانب تكريمات أخرى من القوات المسلحة والجيشين الثاني والثالث الميدانيين.

 

ورغم كل ما ارتبط باسمه من ألقاب وتكريمات، يرفض بيومي اختزال قصة العبور في شخص واحد، مؤكدًا أن ما تحقق كان نتيجة عمل جماعي شارك فيه رجال كثيرون.

 

ويقول: «كل واحد كان له دوره، وكل مجموعة كانت تنفذ المهمة المطلوبة منها، حتى اكتمل العبور، وأنا أعتز بلقب قاهر خط بارليف لأنه يذكرني بالمهمة التي شاركت فيها مع زملائي».

 

وبعد 53 عامًا، لا يستعيد بيومي الحرب باعتبارها مجرد معركة انتهت في أكتوبر 1973، وإنما باعتبارها مرحلة كاملة من حياته بدأت بأربع سنوات من التدريب، ثم العبور والإصابة وفقدان ذراعه، وانتهت بانتصار ظل بالنسبة إليه أكبر من أي تكريم.

 

ويختتم حديثه عن تلك الأيام قائلًا: «أكتوبر بالنسبة لي ليس مجرد ذكرى، وإنما حياة كاملة، فقدنا زملاء وأصيب آخرون، لكن مصر كانت أمامنا، وكان النصر هو الهدف الذي لم يكن أمامنا بديل عنه».