محمد عبدالمقصود يكتب: الثانوية العامة 2025 وبصمة الجنود المجهولين

لسنوات طويلة، ارتبطت امتحانات الثانوية العامة في أذهان الطلاب وأولياء الأمور بمشاعر التوتر والارتباك، وصور من الفوضى والجدل، شكاوى لا تنتهي، تسريبات، غش إلكتروني، ولجان خارجة عن السيطرة… حتى أصبحت كلمة «الثانوية» مرادفًا للقلق المزمن، وموسمها أشبه بالكابوس الذي يتكرر سنويًا في بيوت المصريين.
لذلك، عندما اقترب موعد امتحانات دفعة 2025، لم يكن من المستغرب أن يتجدد القلق والترقب، وتتصاعد المخاوف من تكرار مشاهد السنوات الماضية، تلك التي هزت الثقة في عدالة المنظومة وأثارت الشكوك حول مبدأ تكافؤ الفرص في الامتحانات.
لكن، وعلى عكس التوقعات، جاءت امتحانات هذا العام بهدوء غير معتاد، وانتظام ملحوظ، وعدالة نالت إشادة الغالبية، لم ترصد أخطاء فنية، ولم تُسمع شكاوى عن لجان «أولاد الأكابر» التي كانت تذكر دائمًا في بعض المحافظات، خاصة في الصعيد، كذلك، لم تبرز حالات الغش الجماعي التي اعتاد الرأي العام متابعتها، ولا وقائع شغب أو تجاوزات داخل اللجان، أما الامتحانات نفسها، فجاءت متوازنة في المستوى، كاشفة عن الفروق بين الطلاب، دون تعقيد أو تساهل.
حتى صفحات الغش الإلكتروني التي طالما أربكت المشهد، تراجعت أو تم تحييدها بشكل كبير، فأصبحت الامتحانات تسير كما لو كانت امتحانات نقل عادية: هدوء، وانضباط، وثقة تسود اللجان.
هذا المشهد لم يكن محض صدفة، ولم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة جهود هادئة، بذلها جنود مجهولون، تصدرهم الأستاذ خالد عبدالحكم، رئيس عام امتحانات الثانوية العامة.. رجل ميداني من طراز خاص، يعرفه زملاؤه في قطاع التعليم جيدًا، ويعرفه الميدان أكثر من الكاميرات، بخبرة تراكمت عبر سنوات من العمل، أدار المنظومة باقتدار وبدون ضجيج.
من مدرس رياضيات متدرجًا في المناصب إلى موقع المسؤولية في إدارة امتحانات الثانوية العامة، لم يكن خالد عبدالحكم يومًا حسب رأي العاملين والقريبين مه مسؤولًا مكتبيًا تقليديًا، بل إداري عملي لا يترك تفصيلة تمر دون متابعة، يؤمن بالعمل الجماعي، ويجعل من كل فرد في الفريق شريكًا في النجاح، لا مجرد منفّذ للتعليمات.
هذا العام، ظهرت بصماته بوضوح، انطلقت الخطة تحت إشراف وزير التربية والتعليم الدكتور محمد عبد اللطيف، الذي اتسمت قراراته منذ توليه المسؤولية بالحسم والجرأة، وسعى لتغيير الصورة الذهنية السلبية عن الثانوية العامة، فبدأ التنفيذ باختيار وتدريب رؤساء اللجان، وتأمين طباعة الأسئلة، وإدارة التصحيح، وسط منظومة محكمة خالية من الفوضى أو الاستعراض، لكن غنية بالنتائج الإيجابية.
ولا تكتمل الصورة دون التوقف أمام الدور الإعلامي المهم، الذي أداره باحتراف المكتب الإعلامي للوزارة بقيادة المتحدث الرسمي شادي زلطة.. إدارة اتسمت بالمهنية والوعي، تعاملت مع الشائعات بحكمة، ووفرت المعلومة لوسائل الإعلام والصحفيين والرأي العام في توقيتها المناسب، مما أغلق أبواب البلبلة، وأثبت أن الإعلام حين يُدار بمسؤولية يمكن أن يكون درعًا واقيًا لا أداة لتأزيم المواقف.
نعم، لا خلاف أن ملف التعليم في مصر ما زال يحتاج إلى الكثير من النقاش والتطوير، وقد نختلف حول بعض السياسات أو القرارات، لكن ما تحقق هذا العام في إدارة الثانوية العامة يستحق أن يشار إليه بالاحترام والتقدير، لقد أثبتت التجربة أن الإدارة الحكيمة، حين تقترن بالتخطيط الجيد وخبرة أهل الميدان، تصنع الفارق، حتى في أكثر الملفات تعقيدًا.



