حين تصمت أوتار السمسمية.. الإسماعيلية تودع محمد ميدا حارس التراث الشعبي

نورهان جمال
عاش محمد ميدا سنوات عمره بين صناعة الآلة الشعبية الأشهر بمدن القناة وتعليم أجيال كاملة كيف تحكي السمسمية حكاية وطن، في زقاق هادئ بالإسماعيلية،
كانت أوتار السمسمية لا تتوقف عن الغناء داخل ورشة صغيرة امتلأت برائحة الخشب وصوت الذكريات.
اليوم، رحل محمد ميدا، أقدم عازفي وصانعي السمسمية بالإسماعيلية، ليفقد تراث مدن القناة واحدًا من أهم حراسه، والرجل الذي ظل لعقود طويلة يقاوم اختفاء الفن الشعبي بطريقته الخاصة؛ وتر، وخشب، وأغنية قديمة.
لم يكن “ميدا” مجرد عازف يعرف المقامات الموسيقية، بل كان ذاكرة متحركة لسنوات المقاومة والحكايات الشعبية التي ارتبطت بالسمسمية منذ زمن الفدائيين والعمال والصيادين.
داخل ورشته الصغيرة، كانت كل آلة تحمل قصة، وكل وتر يعيد للأذهان أغاني الصمود التي خرجت من شوارع الإسماعيلية والسويس وبورسعيد في أصعب اللحظات.
وعلى مدار سنوات طويلة، تحول المكان البسيط الذي يعمل به إلى مقصد لعشاق التراث الشعبي، سواء من أبناء المحافظة أو الزائرين والسياح، الذين كانوا يتوقفون أمامه ليستمعوا إلى حكاياته عن تاريخ السمسمية وكيف كانت يومًا صوت الشارع في مدن القناة.
ورغم تغير الزمن وتراجع الاهتمام بالفنون الشعبية، تمسك محمد ميدا بمهمته الأخيرة؛ حماية السمسمية من النسيان.
كان يؤمن أن الآلة ليست مجرد موسيقى، بل هوية كاملة، وجزء من روح الإسماعيلية التي لا تشبه مدينة أخرى.
الكثير من الشباب تعلموا العزف على يديه، والكثيرون عرفوا لأول مرة معنى السمسمية من خلاله، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالآلة نفسها، وكأن الحديث عن التراث الشعبي في الإسماعيلية لا يكتمل دون ذكر “عم ميدا”.



