تحقيقات وحواراتمحافظات

وسام حافظ بطل الضفادع البشرية يستعيد 99 عملية خلف خطوط العدو بالذكرى 53 لنصر أكتوبر

حوار – نورهان جمال

حين يستعيد القبطان بحري وسام عباس حافظ سنوات حرب الاستنزاف، لا يتوقف عند أسماء المعارك أو عدد العمليات التي شارك فيها، وإنما تعود أمامه وجوه الرجال الذين عاش معهم تفاصيل تلك المرحلة.

يتذكر ساعات طويلة من الانتظار، ومهمات تبدأ بجمع معلومة وتنتهي بالعودة من خلف خطوط العدو، ويتذكر رجالًا عادوا إلى قواعدهم، وآخرين انتهت رحلتهم في البحر أو داخل مواقع القتال.

كانت حرب الاستنزاف، بالنسبة إلى حافظ، مدرسة عسكرية كاملة، شارك خلالها مع المجموعة 39 قتال بقيادة الشهيد إبراهيم الرفاعي في عشرات المهام، ويقول إنه شارك في نحو 99 عملية تنوعت بين الاستطلاع والإغارة وجمع المعلومات والاستيلاء على معدات وأسلحة إسرائيلية.

لكن خلف كل عملية ناجحة، كانت هناك مهمة أخرى لا يراها أحد.. المعلومة.

أين يوجد الهدف؟ كيف تتحرك القوات؟ ما طبيعة التأمين؟ وما الطريق الذي يمكن أن يسلكه الرجال للوصول ثم العودة؟

هذه التفاصيل كانت، كما يقول حافظ، تسبق الاشتباك نفسه، لأن رجل التنفيذ لا يستطيع الوصول إلى هدف لا يعرف عنه شيئًا.

البداية من اليمن

لم تبدأ رحلة حافظ مع العمليات خلف خطوط العدو بعد يونيو 1967، ففي يوليو 1964، تخرج في الكلية البحرية، ثم حصل على فرقة الصاعقة البحرية، وبعدها شارك في حرب اليمن، قبل أن ينتقل إلى واحدة من أكثر مراحل حياته العسكرية صعوبة مع اندلاع حرب الاستنزاف.

هناك أصبح العمل مختلفًا؛ فالمواجهة لم تعد مجرد اشتباك على خط ثابت، وإنما عمليات تمتد إلى مناطق العدو، وتحتاج إلى معرفة دقيقة بالمكان قبل التحرك.

وانضم حافظ إلى المجموعة 39 قتال، التي ارتبط اسمها بالشهيد إبراهيم الرفاعي، وبدأت مرحلة جديدة من العمليات التي يقول إنها وصلت إلى نحو 99 مهمة.

كانت بعض المهام تستهدف كمائن أو مواقع إسرائيلية، بينما كانت مهام أخرى تركز على جمع المعلومات أو الاستيلاء على أسلحة ومعدات يمكن دراستها والاستفادة منها في معرفة قدرات العدو.

ومن هنا ظهرت أهمية الاستطلاع، فالسلاح الذي يعود به المقاتلون كان مهمًا، لكن المعلومة التي يحملها المقاتل معه قد تكون أهم؛ موقع كمين، اتجاه تحرك، طريقة تأمين، أو ثغرة يمكن استغلالها في عملية قادمة.

«فسحة السبت».. الاسم الساخر لمهمات خطرة

وسط هذه السنوات الثقيلة، أطلق رجال المجموعة اسمًا بدا ساخرًا على بعض عملياتهم: «فسحة السبت».

لم تكن هناك فسحة بالمعنى المعروف، وإنما كان الاسم يطلق على الإغارات التي كانوا ينفذونها مستفيدين من ظروف يوم السبت، الذي كان يمثل يوم العطلة الأسبوعية في إسرائيل.

ويتذكر حافظ إحدى هذه المهام التي شارك فيها مع النقيب إسلام توفيق والرقيب أول عبد المنعم غلوش.

تحركت المجموعة خلف خطوط العدو، واستهدفت عددًا من الكمائن الإسرائيلية الموجودة على امتداد ساحل القناة، قبل أن تنجح في العودة إلى الجانب المصري ومعها صاروخان حديثان.

لم يكن الهدف من الاستيلاء عليهما مجرد الحصول على قطعة سلاح، وإنما دراسة التكنولوجيا المستخدمة وقدرات التسليح الإسرائيلي.

وهكذا كانت كل عملية تضيف معلومة جديدة إلى ما يعرفه المصريون عن العدو، وتصبح تلك المعلومة جزءًا من عملية أخرى قد تأتي بعدها.

بعد استشهاد عبد المنعم رياض

في 9 مارس 1969، استشهد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أثناء وجوده على الجبهة.

وبعد أسابيع، جاءت واحدة من العمليات التي ارتبطت في ذاكرة رجال المجموعة 39 قتال برغبة في الرد على استشهاد رئيس الأركان، كانت الوجهة لسان التمساح.

ويقول حافظ إن العملية نُفذت في 19 أبريل 1969، وتحركت المجموعات باستخدام القوارب المطاطية، بينما تولت المدفعية المصرية تنفيذ قصف من اتجاه آخر لإشغال القوات الإسرائيلية.

وصل المقاتلون إلى مواقعهم، وبدأ الهجوم على الدشم والتحصينات ومخازن الذخيرة، ثم وقع الاشتباك مع القوات الموجودة في المنطقة.

وبحسب رواية حافظ، أسفرت العملية عن مقتل 44 إسرائيليًا، إلى جانب تدمير عدد من المواقع والتحصينات والاستيلاء على معدات وأسلحة.

لكن صورة أخرى من تلك الليلة بقيت في ذاكرته أكثر من تفاصيل المعركة نفسها، وبعد العودة، فوجئ المشاركون بدعوتهم إلى الإفطار مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حديقة منزله، ويقول حافظ إن عدد الضباط الذين تمت دعوتهم بلغ 66 ضابطًا.

إيلات.. الحرب التي انتقلت إلى ما تحت سطح البحر

إذا كانت العمليات البرية تحتاج إلى استطلاع دقيق، فإن العمل داخل ميناء إيلات كان يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك.

هنا أصبح على رجال القوات البحرية معرفة حركة السفن، ومداخل الميناء، وطرق التأمين، وما يمكن أن يواجه الغواص أثناء تحركه تحت سطح المياه.

ويؤكد حافظ أن الحديث عن إيلات لا يرتبط بعملية واحدة فقط، وإنما بسلسلة من العمليات التي نفذتها الضفادع البشرية المصرية، ويقدر عدد العمليات الناجحة داخل الميناء بثماني عمليات، وكان لحافظ دور في استطلاع عدد من تلك المهام.

الاستطلاع في هذه الحالة لم يكن مجرد مشاهدة الهدف، بل كان محاولة لفهم المكان بالكامل قبل أن ينزل رجال التنفيذ إلى المياه، كان عليهم أن يعرفوا أين تتحرك السفن، وما الذي تغير في إجراءات التأمين، وأين يمكن الدخول، وكيف يمكن الخروج، وكلما تغيرت إجراءات العدو، كان رجال الاستطلاع يبدأون من جديد.

أغنية على الراديو تحدد مصير العملية

في إحدى عمليات إيلات، كانت الإشارة المنتظرة تأتي بطريقة قد تبدو عادية لأي شخص يستمع إلى الراديو، لكن بالنسبة إلى الرجال الموجودين في انتظار تنفيذ المهمة، كانت الأغنية تحمل قرارًا عسكريًا.

يقول حافظ إن الاتفاق كان يقضي بمتابعة إذاعة «صوت العرب»، إذا أذيعت أغنية «بين شطين ومياه»، فهذا يعني أن العملية ستبدأ، أما إذا جاءت أغنية «غاب القمر»، فمعنى ذلك أن التنفيذ ألغي.

وعندما جاءت الأغنية المتفق عليها، عرف الرجال أن لحظة التحرك حانت، لم يكن أحد منهم بحاجة إلى إعلان آخر.

فوزي البرقوقي.. رفيق لم يتركه زميله

كانت من بين الأسماء المشاركة في إحدى عمليات إيلات أسماء نبيل عبد الوهاب وفوزي البرقوقي وعمر عز الدين وحسنين جاويش، وخلال المهمة، استشهد فوزي البرقوقي بعد تعرضه لتسمم الأكسجين، لكن قصته لم تنته عند لحظة استشهاده.

فأثناء العودة، قرر نبيل عبد الوهاب أن يحمل جثمان زميله معه، رغم أن التعليمات كانت تقضي بتركه في موقع العملية حفاظًا على سلامة القوة.

كان القرار يعني حمل وزن إضافي خلال رحلة عودة محفوفة بالخطر، وعندما سُئل عن سبب ما فعله، قال، بحسب رواية حافظ، إنه تدرب مع زميله لمدة عامين ولم يستطع أن يتركه.

كما لم يكن يريد أن يقع جثمان زميله في يد القوات الإسرائيلية وتستخدمه لإعلان مقتل أحد أفراد القوة المصرية.

بالنسبة إلى حافظ، لم تكن الواقعة مجرد تفصيل في عملية عسكرية، وإنما مثال على العلاقة التي جمعت رجال تلك المرحلة.

عندما تغيرت المعادلة بعد كل ضربة

في فبراير 1970، عاد رجال الضفادع البشرية إلى ميناء إيلات في مهمة أخرى استهدفت الناقلتين «بات يام» و«بيت شيفع».

وانتهت العملية بإغراق «بات يام» وإصابة «بيت شيفع».

لكن كل عملية كانت تفرض تحديًا جديدًا، فالعدو الذي يتعرض لضربة لا يبقى على وضعه السابق، وإنما يغير إجراءات التأمين، ويعيد ترتيب دفاعاته، ويبحث عن الطرق التي تمنع تكرار ما حدث، وهنا تعود مهمة الاستطلاع مرة أخرى.

من إيلات إلى الرصيف الحربي

استمرت عمليات القوات الخاصة البحرية داخل إيلات، ووصلت إلى أهداف أخرى، بينها منطقة الرصيف الحربي.

وكانت المواجهة أشبه بسباق مستمر بين إجراءات التأمين الإسرائيلية وقدرة المصريين على اكتشاف نقاط الضعف.

بالنسبة إلى حافظ، لم يكن الوصول إلى الهدف هو نهاية المهمة، فنجاح العملية كان يبدأ من المعلومة وينتهي بالعودة الآمنة.

وفي إحدى مهام الاستطلاع، وجد نفسه أمام خطر حقيقي تحت المياه، بعدما وصل إلى عمق يقارب 30 مترًا وتعرض لخطر الغرق.

نجح في الخروج، لكن التجربة تركت معه أشياء احتفظ بها بعد ذلك، من بينها بوصلة وسترة نجاة.

أشياء بسيطة في شكلها، لكنها بالنسبة إليه تختصر سنوات كاملة من العمل في البحر.

«إيلات» المدمرة.. وعمليات إيلات الميناء

ويحرص حافظ على التمييز بين واقعتين كثيرًا ما تختلطان عند الحديث عن إيلات.

إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» في أكتوبر 1967 كان عملية بحرية مستقلة، بينما جاءت عمليات الضفادع البشرية داخل ميناء إيلات خلال فترة لاحقة من حرب الاستنزاف.

والفارق بالنسبة إليه مهم، لأن كل واحدة منهما كانت لها طبيعة مختلفة من حيث الهدف وطريقة التنفيذ.

الحفار.. هدف بعيد عن جبهة القناة

ولم تكن العمليات النوعية مرتبطة دائمًا بمواقع المواجهة المباشرة، يتذكر حافظ عملية استهداف الحفار «كينتنج»، الذي اشترته إسرائيل لاستخدامه في عمليات التنقيب عن البترول.

وبعد انتقال الحفار إلى أبيدجان في ساحل العاج عام 1970، جرى تنفيذ العملية هناك، في نموذج جديد للعمليات التي احتاجت إلى التخطيط والسرية والخداع والوصول إلى هدف بعيد عن خطوط القتال التقليدية.

حكاية الحرب بدأت مع والده

وراء كل هذه الذكريات، توجد حكاية أخرى بدأت قبل أن يصبح وسام حافظ ضابطًا في القوات المسلحة، ووالده العميد عباس حافظ كان أحد المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، ووقع أسيرًا لدى القوات الإسرائيلية، قبل أن يتمكن من الهروب والعودة إلى مصر، وفق رواية نجله.

وبعد سنوات طويلة، وتحديدًا عام 1992، وجد حافظ نفسه في الولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر متعلق بعلوم البحار.

هناك التقى ضابطًا بحريًا إسرائيليًا سابقًا.

وبمجرد أن عرف الرجل أن حافظ هو ابن العميد عباس حافظ، بدأ يسأله عن والده وكيف تمكن من الهروب من الأسر.

يقول حافظ إنه أخبره بأن والده استخدم مفتاح الزنزانة في الهروب، وأنه احتفظ بالمفتاح بعد ذلك.

وكان رد الضابط الإسرائيلي، بحسب روايته، عبارة لم ينساها حافظ حتى اليوم: «أنتم أيها المصريون مخيفون، ولا أحد يتمكن من توقع ردود أفعالكم».

الرجال قبل العمليات

بعد مرور أكثر من خمسين عامًا، تبدو الأرقام كبيرة: 99 عملية، وسنوات من حرب الاستنزاف، وعمليات في البر والبحر، ومهام استطلاع خلف خطوط العدو، لكن حافظ عندما يستعيد تلك المرحلة لا يبدو منشغلًا بالأرقام وحدها، تعود أمامه أسماء الرجال، رفاق المجموعة 39 قتال، رجال الضفادع البشرية، من عادوا من العمليات ومن تركوا أسماءهم في ذاكرة زملائهم، وتعود معه تفاصيل تبدو صغيرة أمام عناوين الحرب الكبرى: بوصلة، سترة نجاة، أغنية تخرج من راديو، وصديق حمل جثمان صديقه في طريق العودة.

تلك التفاصيل، في رواية حافظ، هي التي تكشف المعنى الحقيقي لحرب الاستنزاف؛ حرب لم تكن مجرد انتظار لحظة العبور، وإنما سنوات من المحاولات لإعادة بناء الثقة، واختبار قدرات العدو، والوصول إلى أهدافه، وإثبات أن الطريق إلى السادس من أكتوبر بدأ قبل سنوات من فتح الثغرات في الساتر الترابي.

وعندما جاءت حرب أكتوبر، لم يكن رجال مثل وسام حافظ يدخلون المعركة للمرة الأولى، فقد كانوا قد أمضوا سنوات يتعلمون كيف يجمعون المعلومة، وكيف يقتربون من الهدف، وكيف ينفذون المهمة، وكيف يعودون، وكان هناك دائمًا احتمال آخر، أن تخرج إلى المهمة ولا تعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى