دعاء عبد الحميد تكتب: المرأة المصرية.. كلمة السر في عودة الدفء إلى الأسرة

بقلم: دعاء عبد الحميد
في زمن تتسارع فيه الحياة بصورة غير مسبوقة وتتغير فيه مفاهيم كثيرة داخل المجتمع تبدو الأسرة المصرية أمام اختبار حقيقي لا يتعلق فقط بالقدرة على مواجهة أعباء الحياة وإنما بقدرتها على الحفاظ على القيم التي ظلت لسنوات طويلة تمثل الحصن الأول للمجتمع
فقد تغيرت تفاصيل كثيرة في حياتنا وأصبحت التكنولوجيا حاضرة في كل لحظة وتراجعت جلسات الأسرة وانشغل الأبناء عن آبائهم وأصبح لكل فرد عالمه الخاص داخل شاشة هاتفه بينما تتسع في المقابل دوائر الخلافات الزوجية والانفصال وتزداد الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأسرة ودور كل فرد داخلها
وهنا يبرز دور المرأة المصرية ليس باعتبارها الطرف الوحيد المسؤول عن الأسرة وإنما باعتبارها أحد أهم أعمدتها وأكثر عناصرها تأثيرا في تشكيل شخصية الأبناء واستقرار الحياة الزوجية
الأسرة القوية لا تصنعها الإمكانات المادية وحدها ولا تتوقف على حجم المنزل أو مستوى المعيشة وإنما تبدأ من منظومة قيم واضحة يعيشها أفرادها قبل أن يتحدثوا عنها
فالاحترام داخل المنزل والحوار بين الزوجين والاهتمام بالأبناء والحرص على صلة الرحم وتعليم الأطفال تحمل المسؤولية كلها أمور تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تصنع فارقا كبيرا في تكوين الإنسان والمجتمع
ولسنوات طويلة كانت المرأة المصرية حاضرة بقوة في هذه التفاصيل تتابع أبناءها وتعرف أصدقاءهم وتشاركهم أحلامهم ومشكلاتهم وتحافظ على دفء المنزل وتحرص على أن يظل البيت مساحة آمنة يعود إليها الجميع مهما كانت ضغوط الحياة
واليوم نحن في حاجة إلى استعادة هذا الدور بروح العصر لا بالعودة إلى الماضي كما هو وإنما بالتمسك بالقيم التي أثبتت الأيام أنها لا ترتبط بزمن
قد تستثمر الأسرة أموالا كثيرة في التعليم والملابس والأنشطة والأجهزة الحديثة لكن يبقى الاستثمار الأهم هو بناء شخصية الابن أو الابنة
فالطفل الذي يجد من يستمع إليه داخل أسرته يكون أكثر قدرة على مواجهة مشكلات الحياة والابن الذي يتعلم احترام الآخرين داخل منزله يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات سليمة عندما يكبر
وهنا لا يكفي أن نوفر لأبنائنا كل ما يطلبونه بل علينا أن نوفر لهم ما هو أهم الوقت والاهتمام والقدوة والحوار
فالأبناء لا يحتاجون إلى والدين مثاليين وإنما يحتاجون إلى أسرة حاضرة في حياتهم
الحفاظ على الحياة الزوجية لا يعني أن تتحمل المرأة وحدها مسؤولية نجاح الزواج ولا يعني أن تتنازل عن حقوقها أو تقبل ما يسيء إليها
لكن في المقابل لا ينبغي أن تتحول الخلافات اليومية إلى معارك مفتوحة ولا أن يصبح الانفصال أول حل يتم اللجوء إليه عند كل أزمة
هناك فارق كبير بين الخلاف الطبيعي الذي يمكن أن تعالجه لغة الحوار وبين الإساءة التي لا يجوز قبولها
والزوج أيضا مطالب بأن يفهم أن احترام زوجته وتقديرها والاستماع إليها والوقوف إلى جانبها ليست أمورا ثانوية وإنما أساس لاستقرار الأسرة
لم تكن الحياة قديما سهلة بل كانت هناك أعباء ومسؤوليات ومشكلات ربما تفوق ما نواجهه اليوم في بعض الأحيان
لكن ما كان يميز كثيرا من الأسر هو وجود مساحة أكبر للصبر والتواصل والاحتواء والحرص على ألا تصبح الخلافات سببا في انهيار البيت
أما اليوم فقد أصبحت المقارنة أسهل والشكوى أسرع والتأثر بما نراه على مواقع التواصل أكثر حضورا
قد تنظر الزوجة إلى حياة امرأة أخرى على الإنترنت فتظن أن حياتها مثالية وقد ينظر الزوج إلى نماذج أخرى فيشعر بأن حياته أقل نجاحا بينما الحقيقة أن مواقع التواصل تعرض لنا صورة منتقاة من حياة الآخرين وليس حياتهم كاملة
ولهذا يجب أن نتعلم ألا نحاكم بيوتنا وفقا لما نراه على الشاشات
ومن المهم أن نؤكد أن الدعوة إلى اهتمام المرأة بأسرتها وبيتها لا تعني بأي شكل من الأشكال إلغاء طموحها أو حقها في العمل والنجاح وتحقيق ذاتها
المرأة الناجحة تستطيع أن تجمع بين طموحها وأسرتها عندما تجد التفاهم والدعم الحقيقي من زوجها وأسرتها
المطلوب ليس أن تتخلى المرأة عن نفسها وإنما ألا تسمح لضغوط الحياة والعمل والتكنولوجيا بأن تجعل أسرتها آخر اهتماماتها
فالنجاح الحقيقي ليس في أن نحقق شيئا ونخسر في المقابل كل شيء آخر
كل كلمة تقولها الأم أمام أبنائها وكل موقف يرونه منها وكل طريقة تتعامل بها مع والدهم ومع الآخرين تتحول بطريقة أو بأخرى إلى درس يتعلمه الطفل
لذلك فإن دور الأم يتجاوز الطعام والملابس والدراسة
إنها تزرع المبادئ وتعلم ابنها معنى المسؤولية وتعلم ابنتها احترام نفسها وتعلم الاثنين أن الأسرة ليست مكانا للحصول على الحقوق فقط وإنما مساحة للعطاء أيضا
المجتمع الذي يريد مواجهة العنف والتنمر والانحراف الأخلاقي وضعف الانتماء عليه أن يبدأ من المكان الأول الذي يتشكل فيه الإنسان الأسرة
فلا يمكن أن نطالب أبناءنا بالاحترام ونحن لا نمارسه داخل منازلنا ولا يمكن أن نطالبهم بالحوار ونحن لا نستمع إليهم ولا يمكن أن نطلب منهم تحمل المسؤولية ونحن نفعل كل شيء نيابة عنهم
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج وإنما يبدأ من داخل البيت
إلى كل امرأة مصرية كوني طموحة وكوني ناجحة واهتمي بنفسك لكن لا تسمحي لضغوط الحياة أن تسرق منك أجمل أدوارك
اقتربي من أبنائك قبل أن تكبر المسافة بينكم
امنحي زوجك التقدير الذي تحتاجين أنت أيضا إلى أن تجديه منه
لا تجعلي الهاتف بديلا عن الحوار ولا مواقع التواصل معيارا لنجاح حياتك
احرصي على بيتك لا خوفا من كلام الناس وإنما لأن الأسرة التي تستحق أن نحافظ عليها هي أول وأهم مساحة للأمان في حياة الإنسان
ولكل زوج أيضا رسالة لا تقل أهمية المرأة ليست ماكينة تتحمل كل شيء والأسرة ليست مسؤولية الزوجة وحدها
ساعدها وقدرها واستمع إليها وشاركها مسؤوليات الحياة واجعل بيتك مكانا تشعر فيه بالأمان كما تريد لأبنائك أن يشعروا بالأمان
إن استعادة دفء الأسرة المصرية ليست مهمة امرأة وحدها ولا رجلا وحده وإنما مسؤولية مشتركة
لكن البداية يمكن أن تكون من امرأة تدرك قيمة بيتها ومن أم تعرف أن أبناءها هم أعظم ما يمكن أن تستثمر فيه ومن زوجين قررا أن يكون الحوار أقوى من الخلاف والمحبة أقوى من العناد والأسرة أهم من أي خلاف عابر
فإذا أردنا مجتمعا أكثر استقرارا فعلينا أولا أن نعيد الاستقرار إلى بيوتنا



