مقالات

المستشار ياسر فؤاد يكتب: القانون ليس نصوصًا جامدة.. والمحاماة رسالة لا يحملها إلا أصحاب الضمائر الحية

المستشار ياسر فؤاد يكتب: القانون ليس نصوصًا جامدة.. والمحاماة رسالة لا يحملها إلا أصحاب الضمائر الحية
ياسر فؤاد

بقلم: ياسر فؤاد

حين يصبح القانون حصنًا للحقوق وتتحول المحاماة إلى صوت للعدالة.. تتجلى حقيقة الدولة القويه التي لا تنتصر فيها القوة على الحق

ليست قوة الدول بما تمتلكه من مؤسسات أو بما تصدره من قوانين وتشريعات، وإنما بما تزرعه في نفوس مواطنيها من شعور بالأمان والطمأنينة والثقة في أن الحقوق لا تضيع، وأن العدالة ليست امتيازًا يمنح للبعض ويحرم منه الآخرون، وأن القانون يظل المظلة التي تحمي الجميع دون تمييز.

فالقانون في جوهره ليس مجرد مواد مكتوبة أو نصوص تتداولها الكتب والمراجع القانونية، بل هو الضمير المنظم لحياة المجتمع، والميزان الذي يضبط العلاقة بين الحقوق والواجبات، والضمانة التي تمنع تحول القوة إلى وسيلة للظلم، أو النفوذ إلى طريق للاستعلاء على الآخرين.

ومن هنا تأتي عظمة القانون، ليس باعتباره مجموعة من القواعد التي تفرض الالتزام فحسب، وإنما باعتباره منظومة متكاملة تستهدف حماية الإنسان وصون كرامته وإرساء قواعد الاستقرار داخل المجتمع.

إن المجتمع الذي يحترم القانون هو مجتمع يدرك أن الحقوق لا تستقيم دون واجبات، وأن الحرية لا تعني تجاوز حدود الآخرين، وأن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يكون الجميع أمام القانون سواء، مهما اختلفت مواقعهم أو قدراتهم أو مراكزهم الاجتماعية.

وفي قلب هذه المنظومة تقف مهنة المحاماة باعتبارها واحدة من أسمى المهن التي ارتبطت عبر التاريخ بالدفاع عن الحقوق والحريات، وبالسعي إلى إعلاء كلمة الحق في مواجهة كل صور الظلم أو التجاوز.

فالمحامي ليس مجرد شخص يتولى صياغة المذكرات أو تقديم الدفوع أو متابعة الإجراءات أمام المحاكم، وإنما هو صاحب رسالة قانونية وإنسانية تتطلب منه العلم والوعي والشجاعة والنزاهة، وتفرض عليه أن يكون أمينًا في دفاعه، مخلصًا في أداء واجبه، مدركًا أن خلف كل قضية إنسانًا ينتظر إنصافًا، أو أسرة تبحث عن استقرار، أو حقًا يحتاج إلى من يحميه.

إن قيمة المحامي الحقيقية لا تقاس بعدد القضايا التي يتولاها، ولا بحجم ما يحققه من مكاسب مادية، وإنما بقدر ما يقدمه من جهد قانوني صادق، وبما يمتلكه من قدرة على فهم الوقائع وتحليل النصوص وتقديم الدفاع بأسلوب مهني رصين، يحترم القانون ويصون كرامة المهنة.

فالمحاماة ليست مجرد حرفة يتقن صاحبها أدواتها، بل هي رسالة تتطلب ضميرًا حيًا قبل أن تتطلب لسانًا فصيحًا، وعقلًا قادرًا على التحليل قبل أن تتطلب حضورًا أمام ساحات القضاء.

إن منظومة العدالة لا يمكن أن تكتمل بجهد مؤسسة واحدة، بل تقوم على تكامل الأدوار بين القضاء والنيابة والمحاماة وسائر المؤسسات المعنية بتطبيق القانون.

فالقضاء يمثل سلطة الفصل في المنازعات وإصدار الأحكام وفقًا للقانون، والمحاماة تمثل ضمانة أصيلة لحق الدفاع، بما تقدمه من جهد قانوني يسهم في عرض الوقائع وتوضيح أوجه الحق ومناقشة الأدلة والدفوع.

ولا يمكن تصور عدالة مكتملة دون دفاع مهني حر ومستقل، كما لا يمكن تصور احترام حقيقي للقانون دون الالتزام بأحكامه وإجراءاته وضماناته.

ومن هذا المنطلق، فإن احترام المحامي وتقدير دوره لا يمثلان مجرد تقدير لشخص أو مهنة، وإنما يعكسان احترام المجتمع لحق الدفاع ذاته، باعتباره أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها المحاكمة العادلة.

إن الغاية الحقيقية من القانون ليست التضييق على الإنسان أو الحد من حرياته، وإنما تنظيم ممارسة هذه الحريات بما يضمن عدم الاعتداء على حقوق الآخرين، وتحقيق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.

فالقانون العادل هو الذي يضع حدودًا واضحة للسلطة، ويحدد المسؤوليات، ويحمي الحقوق، ويمنح كل إنسان فرصة اللجوء إلى المؤسسات المختصة للمطالبة بحقه وفقًا للإجراءات المقررة.

كما أن احترام القانون لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بالخوف من العقوبة فقط، بل يجب أن ينبع من قناعة راسخة لدى المواطن بأن الالتزام بالقواعد القانونية يمثل حماية له ولغيره، ويسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتماسكًا.

وكلما ارتفع مستوى الوعي القانوني لدى المواطنين، تراجعت مساحة النزاعات الناتجة عن الجهل بالحقوق والواجبات، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة المشكلات بأساليب قانونية وحضارية.

إن المحاماة بما تحمله من مكانة قانونية وإنسانية، تضع على عاتق المحامي مسؤولية كبيرة في الالتزام بأخلاقيات المهنة، واحترام الحقيقة، والابتعاد عن كل ما من شأنه الإضرار بالعدالة أو تضليل المتقاضين.

فالمحامي الحقيقي هو من يدرك أن الدفاع عن موكله لا يعني تجاوز القانون، وأن قوة المرافعة لا تكمن في ارتفاع الصوت، وإنما في سلامة الحجة، ودقة التحليل، وقوة الاستدلال، والقدرة على تقديم الحقائق في إطارها القانوني الصحيح.

وهو من يعلم أن ثقة الموكل أمانة، وأن أسرار المهنة مسؤولية، وأن احترام القضاء واجب، وأن كرامة الإنسان تظل قيمة لا يجوز التفريط فيها تحت أي ظرف.

إن المهنة التي تقوم على الدفاع عن الحقوق يجب أن يكون أبناؤها أول من يحترم هذه الحقوق، والمهنة التي تستند إلى القانون يجب أن يكون العاملون بها أكثر الناس التزامًا بأحكامه ومبادئه.

ولا تقتصر أهمية القانون على ساحات المحاكم أو مكاتب المحامين، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، في معاملاته وعلاقاته وقراراته والتزاماته.

فكم من نزاع كان يمكن تجنبه لو امتلك أطرافه الحد الأدنى من الوعي القانوني، وكم من حق كان يمكن الحفاظ عليه لو أدرك صاحبه أهمية التوثيق والإجراءات الصحيحة، وكم من مشكلة كان يمكن حلها قبل أن تتحول إلى نزاع طويل ومعقد.

ومن هنا تبرز أهمية نشر الثقافة القانونية بين المواطنين، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، وتشجيعهم على اللجوء إلى الطرق القانونية في حل خلافاتهم، بدلًا من الانسياق وراء الشائعات أو التصرفات التي قد تترتب عليها نتائج قانونية لا يدركون أبعادها.

إن نشر الوعي القانوني مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات القانونية والإعلامية والتعليمية والمجتمعية، حتى يصبح احترام القانون سلوكًا يوميًا وثقافة راسخة في وجدان المجتمع.

إن الدولة القوية ليست الدولة التي يمتلك فيها البعض القدرة على فرض إرادتهم على الآخرين، وإنما الدولة التي يشعر فيها كل مواطن أن حقوقه مصونة، وأن واجباته محددة، وأن القانون هو المرجعية التي تحكم العلاقات وتضبط المسؤوليات.

فسيادة القانون تعني أن الجميع يخضعون للقواعد القانونية، وأن الحقوق لا ترتبط بالأسماء أو المناصب، وأن الالتزام بالقانون هو الطريق الحقيقي لبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

كما أن احترام القانون يعزز الاستقرار، ويدعم التنمية، ويخلق بيئة أكثر أمانًا للأفراد والمؤسسات، لأن العدالة حين تكون واضحة وراسخة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على العمل والإنتاج والتقدم.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير أن القانون هو حصن المجتمع، والمحاماة هي رسالة الدفاع عن الحقوق، والعدالة هي الغاية التي يجب أن تتضافر من أجلها الجهود.

وإذا كان القانون يمنح المجتمع قواعده، فإن الضمير يمنح هذه القواعد قيمتها، وإذا كانت المحاماة تمنح الإنسان صوتًا للدفاع عن حقه، فإن شرف المهنة يمنح هذا الصوت قوته ومصداقيته.

فلا عدالة بلا قانون، ولا قانون يحقق غايته دون احترام، ولا محاماة تستحق رسالتها إلا حين يكون الحق غايتها، والضمير طريقها، والعدالة مقصدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى