قصص وعبر

راندا فهمي تكتب: لماذا أصبح البعض يتباهى بالقسوة وكأنها قوة؟

راندا فهمي تكتب: لماذا أصبح البعض يتباهى بالقسوة وكأنها قوة؟
راندا فهمي

بقلم: رندا فهمي

في السنوات الأخيرة تغيرت أشياء كثيرة داخل البشر حتى أصبحت القسوة عند البعض وسيلة لإثبات القوة وأصبح التجاهل نوعًا من التفاخر وتحولت المشاعر الإنسانية لدى كثيرين إلى ما يشبه نقطة ضعف يحاولون إخفاءها بأي طريقة. وكأن هذا الزمن يعاقب أصحاب القلوب الطيبة ويمنح التقدير لمن يجيدون القسوة والتلاعب وانعدام الرحمة.

المؤلم أن البعض لم يعد يخجل من إيذاء الآخرين بل أصبح يتحدث عن ذلك بفخر وكأنه حقق إنجازًا. شخص يفتخر بأنه لا يهتم بأحد وآخر يتباهى بأنه كسر قلب إنسانة أحبته وثالث يظن أن الجفاف العاطفي دليل نضج وقوة شخصية بينما الحقيقة أن الإنسان القاسي ليس دائمًا قويًا بل قد يكون مجرد شخص فقد القدرة على الشعور أو اعتاد الهروب من ضعفه خلف قناع بارد.
لقد أصبحنا نعيش في عالم سريع وقاسٍ إلى درجة جعلت كثيرين يعتقدون أن الرحمة عبء وأن الاحترام ضعف وأن الاحتواء نوع من السذاجة. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي تحولت العلاقات الإنسانية إلى سباقات استعراض لا أكثر وأصبح البعض يخفي إنسانيته حتى لا يبدو هشًا أمام الآخرين.

لكن الحقيقة التي لا يدركها كثيرون أن القسوة لا تصنع إنسانًا عظيمًا بل تصنع شخصًا خائفًا من الانكسار. فالأقوى ليس من يستطيع أن يؤذي بل من يستطيع أن يحتوي ويغفر ويحافظ على نقاء قلبه رغم كل ما رآه من خذلان. القوة الحقيقية ليست في تحطيم من يحبونك بل في احترام مشاعرهم حتى لو انتهت العلاقة.

الأسوأ من القسوة نفسها هو اعتياد المجتمع عليها. حين نرى التنمر في التعليقات ونسخر منه بدل أن نرفضه وحين يتحول التجريح إلى محتوى يحقق المشاهدات وحين يصبح الاستهزاء بمشاعر الناس مادة للضحك هنا ندرك أن الأزمة لم تعد أزمة أفراد بل أزمة وعي وإنسانية.

هناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان قويًا وأن يكون بلا قلب. فالقوة الحقيقية تظهر في التحكم بالغضب وفي احترام الآخرين وفي القدرة على التعامل بأخلاق حتى أثناء الخلاف. أما القسوة المجانية فهي غالبًا انعكاس لفوضى داخلية يعيشها البعض ويحاولون تصديرها لمن حولهم.

المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية أو السياسية بل قد تنهار أيضًا حين يفقد الناس الرحمة فيما بينهم. لأن الإنسان مهما امتلك من نجاح أو مال سيظل بحاجة إلى الشعور بالأمان والاحتواء والصدق. وكلما زادت القسوة في العلاقات تراجع الإحساس الحقيقي بالحياة.

ربما حان الوقت كي يدرك البعض أن المشاعر ليست ضعفًا وأن الاحترام ليس هزيمة وأن القلوب النظيفة لا تعني السذاجة. فالإنسان الذي يحافظ على إنسانيته وسط هذا الكم من القسوة يستحق الاحترام أكثر من أي شخص يتباهى بقدرته على إيذاء الآخرين

زر الذهاب إلى الأعلى