مقالات

سما أباظة تكتب: الموبايل والألعاب الأونلاين خطر صامت يهدد أطفالنا

كيف تحمي الأمهات أبناءهن من مخاطر الشاشات؟

سما أباظة تكتب عن مخاطر الموبايل والألعاب الإلكترونية على الأطفال
سما اباظة

بقلم سما أباظة

في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى رفيق دائم للأطفال، يرافقهم في أوقات اللعب والطعام وحتى قبل النوم، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول تأثير الاستخدام المفرط للموبايل والألعاب الإلكترونية على صحة الأطفال ونموهم النفسي والعقلي والاجتماعي.

وبينما تسعى كل أم إلى توفير الراحة والسعادة لطفلها، قد تجد نفسها دون قصد تمنحه الهاتف المحمول لساعات طويلة، اعتقادا منها أنه وسيلة آمنة للتسلية أو مساعدتها في إنجاز بعض المهام اليومية، دون أن تدرك أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يحرم الطفل من فرص مهمة يحتاج إليها في سنواته الأولى لبناء شخصيته وتطوير مهاراته.

إن الطفولة ليست مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هي الأساس الذي تتشكل عليه شخصية الإنسان، وخلالها يتعلم الطفل الكلام والتواصل والتفاعل مع الآخرين، ويكتسب مهارات التفكير والانتباه والتعبير عن المشاعر من خلال اللعب الحقيقي والتجارب اليومية والتواصل المباشر مع أسرته.

لكن عندما تصبح شاشة الهاتف هي الوسيلة الأساسية التي يقضي الطفل من خلالها معظم وقته، فإن الأمر قد يتحول إلى مشكلة تستحق اهتماما جديا من الأسرة والمجتمع، خاصة مع انتشار الألعاب الأونلاين التي تجذب الأطفال إلى عوالم افتراضية قد تجعلهم يقضون ساعات طويلة بعيدا عن حياتهم الطبيعية.

وتكمن خطورة الألعاب الإلكترونية في أنها قد تدفع الطفل إلى الاستمرار في اللعب لفترات طويلة من خلال التحديات والمكافآت والمنافسة المستمرة، وهو ما قد يؤثر على نومه وتركيزه ودراسته وقدرته على ممارسة الأنشطة الحركية والتفاعل مع أفراد أسرته.

كما أن بعض الألعاب المتاحة عبر الإنترنت قد تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب لأعمارهم، أو تتيح لهم التواصل مع أشخاص مجهولين، وهو ما يستدعي ضرورة متابعة الأمهات والآباء لما يستخدمه أبناؤهم من ألعاب وتطبيقات، وعدم تركهم في عالم الإنترنت دون رقابة أو توجيه.

ولا تقتصر المخاطر على الألعاب الإلكترونية فقط، بل تمتد إلى الاستخدام المفرط للهاتف المحمول ومشاهدة مقاطع الفيديو لفترات طويلة، خاصة لدى الأطفال في السنوات الأولى من العمر، وهي مرحلة يحتاج فيها الطفل إلى التفاعل المباشر مع والديه والاستماع إلى الكلام وممارسة اللعب والحركة واكتشاف العالم من حوله.

وتشير الأدلة العلمية إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات لدى الأطفال الصغار قد يرتبط بصعوبات في تطور اللغة والانتباه والنوم وتنظيم المشاعر، خاصة عندما يحل الهاتف محل الحديث واللعب والتفاعل الحقيقي مع الأسرة.

فالطفل يحتاج إلى أن يسمع صوت أمه وهي تتحدث إليه، وأن يتعلم التعبير عن احتياجاته بالكلمات، وأن يشاركها اللعب والضحك، وأن يكتسب مهارات التواصل من خلال المواقف اليومية التي لا يمكن للشاشة أن تعوضها بصورة كاملة.

ومن أكثر الموضوعات التي تثير قلق الأمهات في هذا السياق الحديث عن علاقة الهاتف المحمول والتعرض للشاشات باضطراب طيف التوحد، خاصة مع انتشار معلومات غير دقيقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا يجب التأكيد على حقيقة علمية مهمة، وهي أن الهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية لم يثبت أنهما يسببان اضطراب طيف التوحد، فالتوحد اضطراب نمائي عصبي معقد تتداخل في أسبابه عوامل وراثية وعوامل أخرى، ولا يمكن اختزاله في سبب واحد أو تحميل الأسرة مسؤولية حدوثه.

لكن الإفراط في استخدام الشاشات قد يقلل من فرص الطفل في التفاعل الاجتماعي والتواصل اللغوي، وقد يرتبط بظهور بعض الصعوبات في الكلام والانتباه والتفاعل، وهي أعراض قد تتشابه في بعض الأحيان مع علامات اضطرابات النمو، دون أن تعني بالضرورة إصابة الطفل بالتوحد.

ولذلك فإن الأم التي تلاحظ تأخرا في الكلام لدى طفلها، أو ضعف استجابته لاسمه، أو صعوبة في التواصل والتفاعل مع الآخرين، أو فقدانه مهارات سبق أن اكتسبها، يجب ألا تكتفي بمنع الهاتف وانتظار التحسن، بل عليها التوجه إلى طبيب أطفال متخصص في النمو والتطور للحصول على تقييم دقيق والتدخل المبكر إذا لزم الأمر.

فالتشخيص المبكر لا يعني الخوف، بل يمنح الطفل فرصة أفضل للحصول على الدعم المناسب في الوقت المناسب، ويساعد الأسرة على فهم احتياجاته والتعامل معها بصورة صحيحة.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به الأم في حماية أطفالها من مخاطر الاستخدام المفرط للموبايل والألعاب الأونلاين، فالأمر لا يتطلب منع التكنولوجيا بصورة كاملة، وإنما يتطلب وعيا حقيقيا بكيفية استخدامها ومتى تكون مناسبة للطفل.

ومن الضروري أن تحرص الأمهات على تجنب تقديم الهاتف المحمول للأطفال في السنوات الأولى من العمر، والالتزام بالإرشادات الصحية المتعلقة بوقت الشاشة وفقا للمرحلة العمرية، مع مراعاة أن الأطفال دون عمر عامين يحتاجون إلى تجنب الشاشات قدر الإمكان، باستثناء مكالمات الفيديو التفاعلية، وأن الأطفال الأكبر سنا يحتاجون إلى تنظيم وقت استخدام الأجهزة بما لا يؤثر على النوم أو الحركة أو التعلم.

كما يجب على الأم ألا تجعل الهاتف وسيلة دائمة لإسكات الطفل أو التعامل مع نوبات الغضب والبكاء، لأن الطفل يحتاج إلى تعلم التعبير عن مشاعره والتعامل مع الملل والانزعاج من خلال التفاعل الحقيقي مع والديه.

ومن المهم أيضا أن تحرص الأسرة على توفير بدائل مناسبة للأطفال، مثل اللعب الحركي والرسم والتلوين وقراءة القصص وممارسة الأنشطة التي تساعدهم على تنمية الخيال والتفكير والتواصل.

ويجب أن يكون هناك وقت يومي مخصص للحديث مع الطفل والاستماع إليه ومشاركته اللعب، لأن هذه اللحظات البسيطة قد تكون أكثر أهمية في بناء شخصيته من ساعات طويلة يقضيها أمام الهاتف.

كما ينبغي للأمهات متابعة الألعاب والتطبيقات التي يستخدمها أطفالهن، والتأكد من ملاءمتها لأعمارهم، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية، ومراجعة إعدادات الخصوصية، ومنع التواصل غير الآمن مع الغرباء، مع إبعاد الهاتف عن غرفة النوم وتجنب استخدام الشاشات قبل النوم.

ولا يمكن أن نطالب الطفل بترك الهاتف بينما يقضي الأب والأم معظم وقتهما أمام الشاشات، لذلك فإن القدوة داخل الأسرة تعد من أهم وسائل التربية، فالطفل يتعلم من سلوك والديه أكثر مما يتعلم من النصائح التي يسمعها.

إن مسؤولية حماية الأطفال من مخاطر الاستخدام المفرط للموبايل والألعاب الإلكترونية ليست مسؤولية الأم وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية والإعلامية، التي يجب أن تعمل على نشر الوعي وتقديم المعلومات العلمية الصحيحة للأمهات.

وفي النهاية، فإن التكنولوجيا ليست عدوا لأطفالنا، ولكن الاستخدام غير الواعي لها قد يحرمهم من فرص مهمة يحتاجون إليها في مراحل نموهم الأولى.

وعلى كل أم أن تدرك أن طفلها لا يحتاج إلى شاشة تشغله طوال اليوم بقدر ما يحتاج إلى اهتمامها ووقتها ووجودها الحقيقي في حياته.

فلنمنح أبناءنا طفولة مليئة بالحب واللعب والتواصل، ولنحافظ على حقهم في النمو والتعلم واكتشاف العالم بعيدا عن سيطرة الشاشات.

فأطفالنا يستحقون أن نكون حاضرين في حياتهم، قبل أن تصبح الشاشات هي الحضور الأكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى